919

تفسیر صدر المتألهین

تفسير صدر المتألهين

•
•
امپراتوری‌ها و عصرها
عثمانیان
صفویان

والمقدور للعبد مقدماتهما.

والخوف عند العلماء على ظن مكروه تناله، والخشية نحوه، لكن الخشية تقتضي ضربا من الاستعظام والمهابة. وضد الخوف الجرأة، لكن قد يقابل بالأمن، فيقال: " خائف وآمن " " خوف وأمن " لأن الأمن يوجب الجرأة على الله فبالحقيقة الجرأة تضاده.

قال المتكلمون: الخوف منه تعالى هو الخوف من عقابه وأما أهل المعرفة: فالخوف عندهم كما يكون من العقاب يكون من القرب. قال الله تعالى:

إنما يخشى الله من عباده العلماء

[فاطر:28].

والحق أن عذاب الآخرة إنما يصل إلى الكفار وأهل النار بواسطة أنهم صاروا في الدنيا مبعدون عن مقام القرب، فإذا بطلت هذه الحياة الدنيا، وانكشف الغطاء، وبعثوا إلى الآخرة، وجاء الحق للحساب والميزان، لم يتحملوا سطوة القهارية فيتعذبون بسطوع شمس الآخرة على رؤوسهم، ويعاقبون بنار الجحيم، وتذوب بها أبدانهم وجلودهم.

بل كل عذاب وألم - سواء كان في الدنيا أو في الآخرة - إنما يرجع إلى عذاب القرب لمن لم يكن مستعدا له، لأن جميع ما يعد عند الناس من جملة المؤذيات، والمولمات، فإنما هو من مظاهر رحمته وجوده، ومن منازل عنايته وحكمته، والتضاد الحاصل بينها إنما يقع من لحوق الأعدام والنقائص بها، التي منشؤها البعد عن المقامات الإلهية. فما يتعذب متعذب، أو يتضرر من شيء مؤلم مضر إلا بواسطة تضاد بين المتألم وما يؤلمه، والمتضرر وما يتضرر به، ومنشأ التضاد بين الشيئين - كما علمت - فقد وجود أحدهما لما في وجود الآخر، وقصوره عن رتبة الجمعية بينهما.

أو لا ترى أن كثيرا من الهيآت والكيفيات المتضادة والقوى المتخالفة قد اجتمعت في الحقيقة الإنسانية بواسطة القوة الجمعية، التي فاضت على الإنسان من عالم الأمر؟ فالنار، والماء، والأرض، والهواء، مع كونها أمورا متضادة إلا أنها قد اجتمعت في المركب بواسطة الوحدة الاعتدالية التابعة للصورة الوحدانية الحافظة للمزاج، وكلما كانت الصورة أقوى جوهرا، وأقرب منزلة إلى عالم الحافظة للمزاج، وكلما كانت الصورة أقوى جوهرا، وأقرب منزلة إلى عالم الأمر الواحد، فهي أوسع جمعية للمتضادات إلى أن ينتهي إلى العقل البسيط، المدرك بذاته للأشياء التفصيلية إدراكا حضوريا، وشهودا نوريا، وإحاطة جمعية شمولية.

وهذا ما قاله بعض الحكماء: " إن العقل كل الموجودات " فالإنسان ما لم يصل إلى مقام العقل يجوز في حقه أن يتعذب ببعض أنوار القهارية وسطوات الإلهية، ومن لم يعرف هذه المعاني صار يتعجب من معنى عذاب القرب وخوفه، مع أن الحق تعالى محض الرحمة. وأما العلماء الراسخون فإنهم يخشون الله - دون عقابه - ولا يخشون شيئا آخر، ولهذا قال تعالى: { وإياي فارهبون } دلالة على الحصر، وأن المرء يجب أن لا يخاف أحدا إلا الله، فكل خوف يرجع إلى خوف جلاله.

وإذا ثبت هذا في الرهبة والخوف ثبت في الرغبة والرجاء، فيجب أن لا يرجو أحدا إلا الله، لأن كل محبة ورجاء يرجع إلى حب الله ورجائه، إذا كان المنظور إليه في كل شيء كونه أثرا من آثار قدرته، ولمعة من لمعات نور جماله.

صفحه نامشخص