تفسیر صدر المتألهین
تفسير صدر المتألهين
قال بعض الحكماء في لمية إخراج النفوس من جنة الأرواح لجناية وقعت: إن النفوس الجزئية لما هبطت من العالم الذي كانت، وسقطت عن مراتبها العالية لجناية وقعت من أبيها وأمها، غرقت في بحر الهيولى وغاصت في قعر أمواج الأجسام وقيل لها:
انطلقوا إلى ظل ذي ثلاث شعب
[المرسلات:30]. فتفرقت في هياكل الأجسام وتمزقت بعد وحدتها وجمعيتها؛ وتشتت شملها، ووقعت بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة، كما قال تعالى: { اهبطوا بعضكم لبعض عدو ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين }.
وعرض لها عند ذلك من الأهوال، والدهش، والمصائب مثل ما عرض لقوم ركاب البحر لما اشتدت بهم الريح، واضطرب بهم البحر، وهاجت بهم الأمواج، وانكسرت منهم السفينة، وغرقوا في بحر الطبيعة، وغاصوا في ظلمات الماء، وتفرقوا في كل فج عميق من الجزائر والسواحل.
فكما أن أولئك القوم في الوقت الذي انكسرت منهم السفينة تراهم بين غائص، وطاف، أو متعلق بخشبة أو بحبل، أو راكب بعضهم كتف بعض، كل واحد يقول: " نفسي، نفسي " من شدة الأهوال، لا يفكر بغيره، ولم يرد النجاة إلا لنفسه، ولا همه سواه، ولا يفكر فيما كانت فيه فهكذا حال النفوس في هذا العالم وكونها مع هذه الأجساد. فمن هذه الأشياء نسيت النفوس عالمها ودارها الحيواني، ولا نذكر شيئا مما كانت فيه من أمر عالمها، ومعادها، كما قال تعالى:
وإذا ذكروا لا يذكرون وإذا رأوا آية يستسخرون
[الصافات:13 - 14].
ثم قال: إن النفس إذا انتبهت من نوم الغفلة، ورقدة الجهالة، واستبصرت ذاتها، وعرفت جوهرها، وتحققت بغربتها في عالم الأجسام، وغرقها في بحر الهيولى، وأسرها بالشهوات الطبيعية، وعاينت عالمها، واستبان لها فضل نعيمها على هذه اللذات الكدرة الظلمانية وتنسمت بروح عالمها وريحانها؛ اشتاقت إلى هناك وملت الكون مع هذه الأجسام، وزهدت في نعيم الدنيا، وتمنت الموت لهذا الجسد، والخروج من ظلمته، فيكون مثلها مثل جماعة خرجوا من الحبوس والمطامير مع ضوء الصبح، فشاهدوا هذا العالم دفعة واحدة.
فأما النفس الغير المستبصرة فمثلها كمثل العميان سواء عندهم ضوء النهار وظلمة الليل.
وسئل بعض الحكماء العارفين: " إنا من أي موضع جئنا إلى هذا العالم؟ "
صفحه نامشخص