تفسیر صدر المتألهین
تفسير صدر المتألهين
والأنبياء (عليهم السلام) متوسطون في تقرير سنة الأمر، والملائكة (عليهم السلام) متوسطون في تقرير سنة الخلق، والأمر أشرف من الخلق، فمتوسط الأمر أشرف من متوسط الخلق، فالأنبياء أفضل من الملائكة.
وهذا عجيب؛ حيث صارت الروحانيات الأمرية متوسطات في الخلق، وصارت الأشخاص الخلقية متوسطين في الأمر، ليعلم أن الشرف والكمال في التركيب لا في البساطة، وأن اليد للجسماني لا للروحاني، والتوجه إلى التراب أولى من التوجه إلى السماء، والسجود لآدم من إبليس أفضل له من التسبيح والتقديس.
وليعلم أن الكمال في إثبات الرجال - لا في تعيين الهياكل والظلال - وأنهم هم الآخرون وجودا وعملا، والسابقون فضلا وعلما، وأن آخر العمل أول الفكرة، وأن الفطرة لمن له الحجة، وأن المخلوق بيديه لا يكون كالمكون بحرفيه، كما قال تعالى: وعزتي وجلالي لا أجعل من خلقته بيدي كمن قلت له " كن " فكان.
الوجه الثامن: إن الناس متماثلون في الحقيقة الإنسانية والبشرية، ويشملهم حد واحد، وهو " الحيوان الناطق المائت " والنفوس والعقول متساوية في الجوهرية، فحد النفس بالمعنى الذي يشترك فيه الإنسان، والحيوان، والنبات أنه " كمال أول لجسم طبيعي آلي ذي حياة بالقوة ". وبالمعنى الذي يشترك فيه الإنسان والملائكة " أنه جوهر غير جسم، هو كمال الجسم، محرك له بالاختيار عن مبدإ نطقي أي عقلي بالفعل أو بالقوة ". فالذي هو بالفعل خاصية النفس الملكية، والذي بالقوة هو فصل النفس الإنسانية.
وأما العقل فقوة أو هيئة لهذه النفس، مستعدة لقبول ماهيات الأشياء، مجردة عن المواد، والناس في ذلك على استواء من القدم، وإنما الاختلاف يرجع إلى أحد أمرين: أحدهما اضطراري - وذلك من جهة المزاج والاستعداد - والثاني: اختياري، من حيث الاجتهاد، المؤثر في رفع الحجب المادية، وتصقيل النفس عن الصدإ المانع لارتسام الصور المعقولة، حتى لو بلغ الاجتهاد إلى غاية الكمال تساوت الأقدام، وتشابهت الأحكام، فلا يتفضل بشر على بشر بالنبوة، ولا يتحكم أحد على أحد بالاستتباع.
أجابوا: التماثل والتشابه في الصور البشرية مسلم لا مرية فيه، وإنما التنازع بيننا في النفوس والعقول قائم، فإنها عندنا على التضاد والترتيب.
وذلك أن النفس - كما علم من كلامكم أيضا - لفظ مشترك يطلق تارة لمعنى بين الإنسان والحيوان، وتارة لمعنى بين الإنسان والملك - على مساق حدودكم - فهلا زدتم قسما ثالثا - وهو النفس النبوية - حتى يتميز به عن الملكية، كما يتميز الملكي عن الإنساني ؟! فإن عندكم المبدأ النطقي للإنسان بالقوة، والمبدأ العقلي للملك بالفعل، فقد تغايرا من هذا الوجه، ومن جهة أن الموت الطبيعي يطرأ على الإنسان، ولا يطرأ على الملك، وذلك تمييز آخر.
فليكن في النفس النبوية مثل هذا الترتيب.
وأما الكمال الذي تعرضتم له، فإنما يكون كمالا للجسم المختار إذا كان اختيار المحرك محمودا، وأما إذا كان مذموما من كل وجه صار الكمال نقصا، وبذلك يقع التضاد بين النفس الخيرة والشريرة، حتى تكون إحداهما في جانب الملكية، والأخرى في جانب الشيطانية، فيحصل التضاد المذكور، كما حصل الترتيب المذكور.
وأما ما ذكره المتكلم الصابي من حد العقل: " أنه قوة أو هيئة للنفس مستعدة لقبول ماهيات الأشياء مجردة عن المواد ". فغير شامل لجميع العقول عنده، ولا عند الحنيف، بل هو تعرض للعقل الهيولاني دون سائر العقول من العقل النظري، والعملي، وما بالملكة، والذي هو بالفعل، والذي هو المستفاد، والذي هو الفعال للعلوم التفصيلية، التي وجودها نفس معقوليتها، ولا خلاف بينهم في أن هذه العقول قد اختلفت حدودها، وتباينت فصولها.
صفحه نامشخص