تفسیر صدر المتألهین
تفسير صدر المتألهين
وإما أن آدم كان سببا لوجوب السجدة، فكأنه تعالى لما خلقه بحيث كان أنموذجا للمبدعات كلها - بل للموجودات بأسرها - وجعله نسخة مختصرة لما في العالم الروحاني والعالم الجسماني، وذريعة للملائكة إلى استيفاء ما قدر لهم من الكمالات الفعلية، وفاض عليهم من الإشراقات النورية من جهة تحريكاتهم الكلية، ووصلة إلى ظهور ما صدر عنهم من الخيرات وترتب عليهم من وجود الأكوان الصورية والحوادث الأرضية بواسطة الحركات السماوية، فأمروا بالسجود تذللا لما رأوا من عظيم قدرة الله، وباهر آياته في نظم العالم من الأعلى إلى الأسفل، ثم من الأسفل إلى الأعلى بواسطة الإنسان، الذي به ترتقي سلسلة الوجود - الهابط إلى أسفل السافلين - إلى أعلى عليين، وشكرا لما أنعم الله عليهم بواسطته.
فاللام فيه كاللام في قول حسان في مدح أمير المؤمنين (عليه السلام):
ما كنت أعرف أن الأمر منصرف
عن هاشم، ثم منها عن أبي حسن
أليس أول من صلى لقبلتكم
وأعرف الناس بالقرآن والسنن
أو في قوله تعالى:
أقم الصلاة لدلوك الشمس
[الإسراء:78].
وإما أن يكون المسجود له هو الإنسان، لكن [لا] من حيث هويته الإمكانية ليلزم الإشراك، بل من حيث بلوغه إلى مقام القرب الإلهي، ورجوعه وحشره إلى الحضرة الإلهية، وفناؤه عن ذاته، وبقاؤه ببقاء الله لا ببقاء غيره، ففي هذا المقام يصير الروح الإنساني كمرآة مصقولة لا لون فيه، انعكس عليه وجه الله الباقي على نهج التجلي - لا على وجه الحلول والاتحاد، تعالى عن ذلك علوا كبيرا - فسجودهم لآدم (عليه السلام) من هذه الجهة سجود لله لا له.
صفحه نامشخص