تفسیر صدر المتألهین
تفسير صدر المتألهين
والغرض أن الإنسان مختص متميز عن الملائكة وغيرهم بجامعية العلوم والنشآت، ومظهرية جميع الأسماء والصفات، والانتقال من أسفل سافلين إلى أعلى العليين، لأجل لحوق المزائلة عما كان أولا، وحصول الموت الطبيعي أو الإرادي له عن كل نشأة، للانتقال به إلى نشأة أخرى فوقها.
ومثل هذه الاستحالات والانقلابات، لا توجد في غيره - سيما الملائكة العلوية -، فمنهم سجود لا يركعون، ومنهم ركوع لا ينتصبون، وصافون لا يتزايلون، ومسبحون لا يسأمون، لا يغشاهم نوم العيون، ولا سهو العقول. ولا فترة الأبدان، هكذا في كلام أمير المؤمنين عليه السلام في نهج البلاغة.
والثبات على حالة واحدة - وإن كان معدودا من صفات الكمال، وتشبها بالمبدء الفعال -، إلا إنه يمنع من المزيد، ويحبس العبد على الحاضر العتيد، والتجدد في الأحوال - وإن كان معدودا من صفات النقص، كالموت والعدم والقوة -، إلا إنه كالموت الذي هو تحفة المؤمن، قد يبلغ بالرجال من أدنى المراتب إلى أرفع الأحوال وأعلى درجات الكمال، وبهذا يفوق الإنسان على غيره.
والملائكة عليهم السلام، لما بان لهم من فضل الإنسان، وجهة فضيلته على سائر الأكوان، وعلموا وجه الحكمة في ايجاده واخراجه من مكامن القوة والإمكان، ومطاوي الأفلاك والأركان، فعظموا جلال الحق، ومجدوه وسبحوه تعجبا وشكرا لنعمته، بما عرفهم من مكنون علمه، وكشف لهم عن مرآة جماله وجلاله، ومجلى أحوال صفاته وأنوار كماله.
و " سبحان ": مصدر كغفران، ولا يكاد يستعمل إلا مضافا منصوبا باضمار فعله ك " معاذ الله " ، وقد أجري علما للتسبيح بمعنى التنزيه على الشذوذ.
وقيل: تصدير الكلام به، اعتذار عما وقع لهم من الاستفسار والجهل بحقيقة الحال، إشعارا بأن سؤالهم لم يكن اعتراضا.
وقد جعلت هذه الكلمة مفتاح التوبة والإنابة، فقال موسى - صلوات الله على نبينا وآله وعليه -:
سبحانك تبت إليك
[الأعراف:143]. وقال يونس عليه السلام:
سبحانك إني كنت من الظالمين
صفحه نامشخص