تفسیر صدر المتألهین
تفسير صدر المتألهين
وفي خبر آخر:
" هم المتمسكون بما أنتم عليه اليوم "
وفي حديث آخر:
" الغرباء ناس قليل صالحون، بين ناس كثير ".
وقد صارت تلك العلوم غريبة بحيث يمقت ذكر اسمها، ولذلك قال: " إذا رأيت العالم كثير الأصدقاء فاعلم أنه مخلط، لأنه إن نطق بالحق أبغضوه ".
فصل
في العلم المحمود والعلم المذموم
قال صاحب الإحياء: " إن العلم بهذا الإعتبار ثلاثة أقسام: قسم مذموم قليله وكثيره، وقسم محمود كله، وكلما كان أكثر فهو أفضل، وقسم يحمد بقدر الحاجة ولا يحمد الفاضل عليه والاستقصاء فيه؛ وهو مثل أحوال البدن: فمنه ما يحمد قليله وكثيره كالصحة والجمال، ومنه ما يقابله كالقبح وسوء الخلق، ومنه ما يحمد الاقتصاد فيه كبذل المال، فإن التبذير فيه لا يحمد؛ وكالشجاعة، فإن التهور لا يحمد فيها وإن كان من جنس الشجاعة.
فكذلك العلم، فالقسم المذموم كله ما لا فائدة فيه في دين أو دنيا، كعلم السحر والطلسمات والنجوم، فبعضه لا فائدة فيه، وصرف العمر فيه اضاعة أنفس ما يملكه الإنسان، واضاعة النفائس مذموم.
وأما القسم الممدوح إلى أقصى غاية الاستقصاء، هو العلم بالله وبصفاته وأفعاله، وجريان سنته في خلقه، وحكمته في ترتيب الآخرة على الدنيا. فإن هذا العلم علم مطلوب لذاته، والتوسل به إلى سعادة الآخرة، وبذل المقدور فيه إلى غاية الجهد، قصور عن حد الواجب، فإنه البحر الذي لا يدرك غوره، وإنما يحوم الحائمون على سواحله وأطرافه بقدر ما يسر لهم، وما خاض أطرافه إلا الأنبياء والأولياء الراسخون في العلم - على اختلاف درجاتهم - بحسب اختلاف قوتهم، وتفاوت تقدير الله في حقهم.
صفحه نامشخص