تفسیر صدر المتألهین
تفسير صدر المتألهين
[الأعراف:185]. وحينئذ لا يكون غيبا.
فالغيب ما غاب، وما شاهد فيه فهو شهادة؛ فالملكوت للملائكة شهادة، والحضرة الإلهية لهم غيب؛ وليس لهم الترقي إلى تلك الحضرة؛ وإن للإنسان صورة من عالم الشهادة المحسوسة، وروحا من عالم الغيب الملكوتي، وسرا مستعدا لقبول فيض النور الإلهي بلا واسطة؛ فبالتربية يترقى من عالم الشهادة إلى عالم الغيب - وهو الملكوت -، وبسر المتابعة وخصوصيتها يترقى من عالم الملكوت إلى عالم الجبروت والعظموت - وهو غيب الغيوب -، فيشاهد بنور الله المستفاد من سر المتابعة أنوار الجمال والجلال، فيكون في خلافة الحق عالم الغيب والشهادة، كما أن الله عالم الغيب والشهادة:
فلا يظهر على غيبه أحدا
[الجن:26] أي الغيب المخصوص - وهو غيب الغيب - أحدا - يعني من الملائكة
إلا من ارتضى من رسول
[الجن:27]، يعني من الإنسان.
فهذا هو السر المكنون، المركوز في استعداد الإنسان، الذي كان الله يعلمه منه، والملائكة لا يعلمون كما قال: { إني أعلم ما لا تعلمون }.
ومنها: أن الملائكة لما نظروا إلى كثرة طاعتهم، واستعداد عصمتهم، ونظروا إلى نتائج الصفات النفسانية، استعظموا أنفسهم واستصغروا آدم وذريته، فقالوا: { أتجعل فيها } - أي: في الأرض - خليفة مع أنه { يفسد فيها ويسفك الدمآء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك } ، فنحن مع هذه الصفات، أحق بالخلافة منه، كما قال بنو إسرائيل حين بعث الله لهم طالوت ملكا:
قالوا أنى يكون له الملك علينا ونحن أحق بالملك منه ولم يؤت سعة من المال
[البقرة:247] فأجابهم الله تعالى بأن استحقاق الملك إنما هو بالاصطفاء والبسطة في العلم والجسم وقال:
صفحه نامشخص