تفسیر صدر المتألهین
تفسير صدر المتألهين
واستشكل ههنا بأن الله لا يفعل فعلا لأجل غرض، لأنه لو كان كذلك لكان تعالى مستكملا بذلك الغرض، والمستكمل بغيره ناقص بذاته؛ وذلك على الله [تعالى] محال، لأنه منبع كل خير وكمال.
وهذا أصل مستحكم الأساس عند الحكماء الأوائل، فإنهم أشد الناس إثباتا لهذا الأصل، فقالوا: " إن العالي لا يلتفت إلى السافل " ، لكن حجب هذا الأصل طائفة من الناس عن كثير من الحقائق الدينية والقوانين الشرعية مثل مسئلتنا هذه.
لا يقال: إن فعله تعالى معلل بغرض لا يعود إليه - بل إلى غيره -.
لأنا نقول: عود ذلك الغرض إلى ذلك الغير، هل هو أولى به [تعالى] من عدمه، أوليس بأولى؟ فإن كان أولى به تعالى، فيعود المحذور المذكور. وإن لم يكن تحصيله غرضا مؤثرا أصلا - والمفروض إنه غرض معلل به فعله تعالى.
وأيضا، كل من فعل فعلا لغرض، كان قاصرا عاجزا عن تحصيل ذلك الغرض إلا بواسطة ذلك الفعل، والقصور والعجز محالان على الله تعالى.
فهذه وغيرها هي وجوه دالة على خلاف ما يستفاد من هذه الآية، وكثير من الآيات، ويبتنى عليه القوانين الدينية، وبه ترتبط المسائل المعادية من الحشر والجزاء والثواب والعذاب، والجنة والنار، وما أشبهها، ولم أر أحدا ذكر شيئا مفيدا لحل هذا الإعضال وفك هذا الإشكال.
والذي يخطر بالبال في هذا المقام لدفع هذه العقدة من الأوهام: إن فعل الله ليس فعلا واحدا، بل أفعال كثيرة حسب كثرة الموجودات الممكنة، والذي قامت البراهين على أنه لا يكون معللا بغيره، ولا ذا غاية سواه، هو فعله الخاص الذي صدر عنه أولا وبالذات، أو فعله المطلق، فإن ما هو أحد هذين، فالفاعل والغاية فيه ذاته الأحدية الصمدية، وأما فعله الذي صدر بعد ذلك، فهو معلل بغرض، وهكذا لكل فعل ذي غرض غرض، حتى تنتهي الدواعي والأغراض والغايات إلى غاية لا غاية لها، وداع لا داعي له، وهو ذاته الذي هو غاية الغايات، ومنتهى الدواعي والرغبات.
فالتراب - مثلا -، فعل من أفاعيله الصادر عنه باستخدام فاعل طبيعي يسمى الطبيعة الأرضية، وهي ملك من ملائكة التسخير، يتسخدمه فاعل فوقه يسمى ملك الأرض، وهو ملك من ملائكة التدبير، وفوقه ملك آخر من ملائكة الإفاضة والتنوير اسمه قابض الأرواح، وهو تحت اسمه تعالى " القابض " ، ولكل منها في فعله غاية فوقه، حتى ينتهي إلى الله تعالى.
وهذه الغايات والأغراض، هي التي فوق الأكوان. وأما التي تكون تحت الأكوان، فغاية التراب، والغرض من خلقه أولا هو المركبات الأرضية كالمعدنية، ثم البذور وقواها النباتية، ثم النطف والأغذية، ثم الأخلاط الدموية، ثم الأمشاج والأعضاء اللحمية، ثم الأرواح البخارية، ثم النفوس الحيوانية، ثم الغرض منها الأرواح الأنسية الصاعدة إلى الدرجات السماوية، والغرض منها معرفة الله، والانقطاع عن العوالم بالكلية، والإتصال إلى الحضرة الأحدية.
فبهذا المعنى صح أن يقال: إن لأفعاله تعالى أغراضا عائدة إليه، بشرط أن يدرك تحقيقه على وجه لا يؤدي إلى إنثلام قاعدة التوحيد والتنزيه، بل تتحفظ قاعدة: " إن العالي لا ينفعل عن منفعله، ولا يستكمل الفاعل من فعله ".
صفحه نامشخص