636

تفسیر صدر المتألهین

تفسير صدر المتألهين

امپراتوری‌ها و عصرها
عثمانیان
صفویان

وكل ما فعله الله أولا بأهل الايمان، فعله بأهل الكفر، من نعمة الخلق والإحياء والعقل والتكليف والهداية والدعوة بالآيات، وإرادة طريقي الخير والشر، والنفع والضر وغير ذلك، فصار الكل سببا لقرب هؤلاء، ومنشأ لبعد هؤلاء - ولا يزالون مختلفين - فما صنعه تعالى بهما لقرب هؤلاء، ومنشأ لبعد هؤلاء - ولا يزالون مختلفين - فما صنعه تعالى بهما جميعا في الدنيا، هو معدود من نعم الله التي أعطاها لعباده - وإن انقلب بعضها في حق البعض نارا محرقة وسموما مهلكة -، لحرقة في قلوبهم -، وتغيظا وزفيرا في صدورهم، ولهذا صح قوله تعالى فيهم: { كيف تكفرون } ، وتعذبون بالنار وقد أنعم الله عليكم بمثل هذه النعم العظيمة التي أنعمها على المتقين، وقد صارت وقاية لهم من عذاب الجحيم وألم الحميم.

وأما الجوابان اللذان ذكرهما من قبل الأشاعرة، فإنهما وإن حصل بهما الإلزام للمعتزلة، لكن لا يفي بدفع الإشكال، وحل عقدة الإعضال عنهم أنفسهم، لأن الذي ذكره أولا، من أن علمه تعالى اقتضى وجود المعلوم على وجهه، أو أن خلاف مقتضاه محال، هو خلاف مذهب الأشاعرة، إذ لا ايجاب ولا علية عندهم، بل يجوز منه تعالى على أصولهم ويصح أن يفعل خلاف ما كان قرره وعلمه أولا.

وكذا الذي ذكره ثانيا، فإن القدرة والإرادة - سواء كانتا من الله أو من العبد - غير متوقفتين عندهم على علة موجبة وداعية مقتضية لأحد طرفي المقدور، بحيث يمتنع مقابلها ويستحيل خلافها.

فالوجوه الخمسة المذكورة كلها وارد عليهم، والجواب بإنكار الحسن والقبح العقليين - مع ما فيه مما يستلزم سد جميع أبواب البراهين، وما يبتنى عليه من أصول العقائد الحقة -، وكذا الجواب بقوله تعالى:

لا يسأل عما يفعل

[الأنبياء:23]. غير منجح لهم، لأن معناه لو كان المراد منه نفي اللمية عن أفعاله كما فهموه، وإن كانت واقعة منه تعالى في هذا العالم، بعد مراتب كثيرة ووسائط عديدة، وأسباب جعلها الله مبادى مرتبطة بها، وذلك لأنه لو كان المراد ما ذكروه، لم يصح منه تعالى أن يقول:

لم تكفرون بآيات الله

[آل عمران:70]

لم تقولون ما لا تفعلون

[الصف:2].

صفحه نامشخص