تفسیر صدر المتألهین
تفسير صدر المتألهين
ثم إنه تعالى ذكر مسئلة المعاد في آيات لا تحصى، لصعوبة فهمها على الأفهام، وكثرة الشبه والشكوك الواردة فيها من الأوهام، وذكر إثباتها على وجوه مختلفة:
فتارة ذكرها بعد حكاية إنكار المنكرين للحشر والنشر، وحكم بأنه واقع كائن من غير ذكر الدليل، لجواز إثبات ما [لا] يتوقف اثبات النبوة عليه بالدليل النقلي، والاعتقاد بهذه المسئلة على وجه تكلف به جمهور الخلق، ويكفي لصحة العمل من هذا القبيل، فجاز إثباتها بالنقل.
مثاله، ما حكم ههنا بإثبات النار للكفار والجنة للأبرار، وما أقام عليه دليلا، بل اكتفى بالدعوى، وإن كانت فيه إشارة لأهل الإستبصار إلى أنوار الهداية لأسباب وجود الجنة والنار، وكيفية نشؤهما في الآخرة من الأعمال والنيات، فإن " تعليق الحكم بالوصف مشعر بالسببية ".
فالبصير المحدق، والعارف المحقق، يبصر ويعرف بنور بصيرته عين عرفانه، أن جحود الجاحدين للحق بعد وضوحه، وريب المنكرين للقرآن عند سطوع نوره وإشراقه، وايقادهم نار الفتنة والعداوة بحرقة في صدورهم، وقساوة في قلوبهم، يذهب بهم طريق الأشرار، ويسلك بهم عن سبيل الأبرار. ويعذبهم في الآخرة بعذاب الكفار، ويجعلهم بقلوبهم وجلودهم وقود النار، التي كمنت فيهم أولا في حياتهم الدنيا، ثم قويت شيئا فشيئا بإذابة كبريت الشهوات، وإضافة قوة نار الحسد وضرام العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة، فتبرز غاية البروز، وتشتعل بهم غاية الاشتعال، فتبتدي من بواطنهم وقلوبهم، ثم تتعلق بظواهرهم وجلودهم، وكلما نضجت جلودهم بدلهم الله جلودا غيرها ليذوقوا العذاب، وهكذا يفعل الله بهم إلى أن يقضي الله أمرا كان مفعولا.
وكذا القياس في سببية الإيمان والعمل الصالح من نفوس المؤمنين للارتقاء بها إلى عالم الأنوار، وجنة الأبرار، كما في قوله:
إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه
[فاطر:10] فقلوبهم في مقاعد الصدق واليقين ساكنة، وأبدانهم في بساتين دار الحيوان سائرة، وهكذا يفعل الله بقلوبهم وبأبدانهم فعل صاحب المنزل بالضيف ودابته، حيث يقعده بقربه، ويسرح دابته في بستانه.
وطريقة أخرى:
ذكرها مشفوعة بالقسم، لقصور افهام الأكثرين عن فهم الدليل، فقال في سورة النحل:
وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت بلى وعدا عليه حقا ولكن أكثر الناس لا يعلمون
صفحه نامشخص