439

تفسیر صدر المتألهین

تفسير صدر المتألهين

امپراتوری‌ها و عصرها
عثمانیان
صفویان

وأما الثاني: فلأن حضور طرفي التصديق، أما أن يكفي للتصدق البديهي، ويلزم جزم الذهن بإسناد أحدهما إلى الآخر بالنفي أو الإثبات، أو لا يلزم؛ فإن لم يلزم، لم تكن القضية بديهية، وإن لزم، كان التصديق واجب الحصول عندهما، وممتنع الحصول عند عدمهما، وما يكون واجب الدوران نفيا واثباتا مع أمر غير مقدور نفيا واثباتا، وجب أن لا يكون مقدورا؛ فثبت أن التصديقات البديهية غير مقدورة.

وأما الثالث: فالبيان جار فيه بمثل ما مر، فوجب أن لا يكون شيء من العلوم مكسوبا للعبد؛ فهذه شبهة ذكرها العلامة الرازي في هذا المقام في أكثر كتبه.

والجواب: أما عما ذكره في باب التصور، فالتحقيق في باب كون الشيء معلوما من وجه، هو أن وجه الشيء قد يؤخذ ويعتبر على وجه يصير عنوانا لموضوع القضية المتعارفة، وقد يؤخذ ويعتبر لا على ذلك المنوال، بل على أن يصير عنوانا للقضية الطبيعية، ففي الأول، يصير عنوانا للأفراد، ومرآة لملاحظة الجميع أو البعض، ولهذا يسري الحكم إليها كما في قولك: " كل كاتب متحرك الأصابع " " وبعض الكاتب كذا " وفي الثاني يصير الوجه متصورا ومرئيا فقط ولا يصير مرآة لها.

فقد تحقق الفرق بين تصور الشيء بوجهه، وبين تصور وجهه، وفي كلا الاعتبارين وإن كان المتصور بالذات وبالحقيقة هو الوجه دون ذي الوجه، إلا أن في الأول يكون ذو الوجه متحدا معه، متصورا بتصوره بالعرض وعلى سبيل التبعية، وذلك القدر يكفي لتوجه النفس إلى تحصيله من غير لزوم أحد المحالين - لا تحصيل الحاصل ولا توجه النفس نحو المجهول المطلق -، فافهم إنشاء الله.

وعما ذكره ثانيا: إن الإدراك التصديقي نحو آخر من الإدراك مبائن بالنوع المتصور - كما هو التحقيق -، فلا يلزم من مجرد حضور الطرفين في الذهن الاذعان بثبوت أحدهما للآخر ونفيه عنه، وإن كان التصديق بديهيا، والبداهة في التصديق لا تنافي التأخر عن حضور الطرفين، فربما احتاج إلى قصد من النفس، أو التفات إلى إخطاره بالبال، ثم لا يخفى على أحد أن الجمع بين التصورين، وضم أحدهما بالآخر، غير وجود كل منهما في النفس، وغير وجودهما جميعا، فهذا الجمع أمر غير واجب بل ممكن مقدور.

فقس على ما ذكرناه فساد ما ذكره في عدم اكتساب النظريات التصديقية من البديهيات، لأن الأصل إذا بطل، كان ما يبتني عليه باطلا أيضا.

الثاني: إن الموجب للنظر إما ضرورة العقل، أو نظره، أو السمع؛ والكل باطل.

أما الأول: فلأنه لو كان بديهيا لما اختلف العقلاء فيه - وليس كذلك -.

وأما الثاني: فلأن العلم بوجوبه إذا كان نظريا لا يمكن حصوله إلا بعد النظر، فالتكليف قبله يكون تكليفا بالمحال، وبعده يكون عبثا لا فائدة فيه.

وأما الثالث: فلأن قبل النظر لا يكون متمكنا من معرفة وجوب النظر، وبعده لا يمكن ايجابه لعدم الفائدة، وإذا بطلت الأقسام ثبت نفي الوجوب.

صفحه نامشخص