تفسیر صدر المتألهین
تفسير صدر المتألهين
والرعد والبرق والصواعق ، هي التكاليف الشاقة، بعضها من باب الأعمال وبعضها من باب الاعتقادات، كفعل الصلاة وال صيام والحج، وترك الرياسات، والمجاهدة مع الآباء والأمهات، وترك الأديان القديمة، والاعتقاد بحقية هذا الدين والانقياد له.
فكما أن الإنسان يبالغ في الإحتراز عن المطر الصيب، الذي هو أشد الأشياء نفعا بسبب هذه الأمور المقارنة، فكذا المنافق الجاهل، يحترز عن الإيمان أو القرآن بسبب هذه الأمور، زعما منه أن الغرض منها ايلامه وتخويفه وتشديد الأمر عليه، بحيث تكاد توجب هلاكه، ولم يعلم أن فيها شفاء لما في الصدور، وتنويرا للقلوب، وإحياء للنفوس المريضة بداء الجهالة، ورحمة للذين آمنوا، وهدى للعالمين.
والمراد من قوله: { يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق حذر الموت } أن الجاهل المنافق كثيرا ما يتصامم عن ذكر الآيات والحجج والبينات، حذرا عن سماع ما يوجب فساد عاقبتهم، ويظهر عليهم مآل ما هم عليه من النفاق والفسق ولا يعلم السفيه الأحمق أن التصامم والتعامي لا يدفع الداهية والموت، كما أن الصاعقة لو أتت إلى شخص لا يمكن له دفعها بجعل إصبعيه في أذنيه.
وقوله: { يكاد البرق يخطف أبصارهم }: إشارة إلى أن لمعات القرآن أو الإيمان، وأنواره الباهرة، تكاد تخطف أبصار بصائر الناظرين فيه، حتى كأنهم لضعف بصائرهم عن احتمال شوارقها ولوامعها، كالمبهوتين المتحيرين.
والمراد من قوله: { كلما أضآء لهم مشوا فيه } أنه متى ظهر لهم، أو نقل إليهم شيء من خوارق العادات والكرامات، أو متى حصل لهم شيء من المنافع كحصول الغنائم، أو التوقير والتقديم في المجالس، أو تولية الأمور كضبط الأموال وحفظ الأمانات، وسعاية الزكوات والحسبة والشهادة وغيرها، فإنهم يرغبون في الدين ويجهدون في العمل. وإذا أظلم عليهم، أى متى لم يجدوا شيئا من الكرامات أو من المنافع، فحينئذ يقفون عن العمل، ويكرهون الإيمان، ولا يرغبون فيه. هذا ما ظهر في معنى الآية.
ويقرب منه ما قيل: شبه الايمان والقرآن وسائر ما أوتي الإنسان من المعارف التي هي سبب الحياة الأبدية بالصيب الذي به حياة الأرض، وما ارتكبت بها من الشبه المبطلة، واعترضت دونها من الاعتراضات المشكلة لأهل البدع بالظلمات، وما فيها من الوعد والوعيد بالرعد، وما فيها من الآيات الباهرة بالبرق، وتصاممهم عما يسمعون من الوعيد بحال من يهوله الرعد فيخاف صواعقه فيسد أذنه عنها، مع أنه لا خلاص لهم منها، وهو معنى قوله: { والله محيط بالكافرين }. واهتزازهم لما يلمع لهم من رشد يدركونه أو رفد تطمح إليه أبصارهم بمشيهم في مطرح ضوء البرق كلما أضاء لهم، وتوقفهم في الأمر حين تعرض لهم شبهة أو تعن لهم مصيبة بتوقفهم إذا أظلم عليهم، وأشير بقوله: { ولو شآء الله لذهب بسمعهم وأبصارهم } إلى أنه سبحانه جعل لهم السمع والأبصار ليتوسلوا بهما إلى الهدى والفلاح ويتسببوا بهما إلى تحصيل السمع المعنوي والبصيرة الباطنية، لدفع الشبهات وإزالة الظلمات في طريق الهداية، وسلوك الآخرة، طلبا للحياة الباقية، وتقربا إلى الله معطي الخيرات الأبدية، ثم إنهم صرفوها إلى الحظوظ العاجلة، وسدوها عن الفوايد الآجلة، وهذه المدركات مع مداركها، أمور ذاهبة زائلة، ولو شاء الله لجعلهم عادمين للسمع والأبصار كما هم عليه في القيامة يوم لا نور إلا نور المعرفة والإيمان.
فصل
[التشبيه هنا مركب، أم مفرق]
قد يقال: وقع في التمثيلين تشبيه أشياء بأشياء؛ فأين ذكر المشبهات فيهما؟ وما المشتبه بالصيب، والظلمات، والرعد، والبرق، والصواعق ههنا؟ وهلا صرح بها، كما في قوله:
وما يستوي الأعمى والبصير ولا الظلمات ولا النور ولا الظل ولا الحرور
صفحه نامشخص