تفسير الجيلاني
تفسير الجيلاني
وهم مع ذلك لا يمهلون إلى العذاب الآجل، بل يعذبون في العاج والبرزخ أيضا، كما قال سبحانه: { وإن للذين ظلموا عذابا دون ذلك } العذاب الأخروي الموعود لهم، وهو وقوعهم في نيران الإمكان بأنواع الخيبة والخسران، وتقيدهم بسلاسل الآمال وأغلال الأماني { ولكن أكثرهم لا يعلمون } [الطور: 47] ولا يفهمون ألمها، مع أنها من أشد العذاب إيلاما، وأصعب الوبال والنكال انتقاما، أعاذنا الله وعموم عباده منها.
{ و } بالجملة: { اصبر } يا أكمل الرسل { لحكم ربك } بإمهالهمم إلى قيام الساعة، وإبقائك فيما بينهم بأنواع التعب والعناء، ولا تستعجل لمقتهم وهلاكهم، ولا تخف من مكرهم معك وغدرهم عليك { فإنك بأعيننا } وكنف حفظنا وحوزة حراستنا وحضانتنا، نكفيك نكف عنك مؤنة شرورهم، ولا تلتفت إليهم، ولا تبال بمكرهم وكيدهم، ولا تشتغل عنا بهمم وبمخاصمتهم { وسبح } أي: نزه ربك عن أن يعجز عن أخذهم وا نتقامهم أو عن إنجاز ما وعد لك من عذابهم ملتبسا { بحمد ربك } في جميع حلااتك وأوقاتك سيما { حين تقوم } [الطور: 48] من منامك.
{ ومن الليل } حين تستريح فيه للنوم { فسبحه } لتكون على ذكر من ربك حين رقودك وغفلتك عن حواسك؛ ليكون ذكرك حينئذ توصية منك بمتخليلتك وإرشادالها وتعليما إياها { و } سبحه أيضا { إدبار النجوم } [الطور: 49] وقت دبور النجوم، وظهور ضياء الشمس، فإن كلا الوقتين وقت فراغ البال عن مطلق التشتت والأشغال العائقة عن التوجه، جعلنا الله ممن خلفف أثقاله وقلل آماله بمنه وجوده.
خاتمة السورة
عليك أيها المحمدي المتوجه نحو المقام المحمود الذي هو مرتبة الكشف والشهود - هداك الله إلى سواء السبيل، ووقاك عن مطلق التغيير والتبديل - أن تخلي خلدك عن الركون إلى ما سوى الحق، والالتفات إلى عموم ما يشغلك عن التوجه إليه، والتحنن نحوه.
ولك الاشتغال بالتسبيح والتقديس في جميع أوقاتك، وحالاتك سيما في أثناء صلواتك في خلال خلواتك، إياك إياك الميل إلى مزخرفات الدنيا ولذاتها وشهواتها، والاختلاط مع أبنائها المنغمسين بقاذوراتها، فإن التلطخ بمزخرفات الدنيا بكل الأبصار ويعمي القلوب التي في الصدور.
خفف عنا بلطفك ثقل الأوزار، وأرزقنا بفضلك عيشة الأبرار، واصرف عنا بكرمك شر الأشرار.
[53 - سورة النجم]
[53.1-26]
{ والنجم إذا هوى } [النجم: 1] أي: وحق النجوم الثواقل الهاوية، النازلة بقلوب أرباب الإدارة من عالم اللاهوت؛ ليهتدوا بها في ظلمات التعينات إلى فضاء التوحيد وشمس الوحدة الذاتية الحقيقية.
صفحه نامشخص