تفسير الجيلاني
تفسير الجيلاني
بل { فما استطاعوا } وما قدروا { من قيام } نهوض، وحركة عن أمكنتهم التي كانوا فيها عند ظهورها { و } بالجملة: { ما كانوا منتصرين } [الذاريات: 45] ممتنعين من عذابنا منتقمين منا.
{ و } مثل ما أهكلنا المذكورين، أهلكنا { قوم نوح من قبل } أي: قبل إهلاك هؤلاء { إنهم } أيضا أمثال هؤلاء الطغاة البغاة الهالكين في تيه العتو والعناد { كانوا قوما فاسقين } [الذاريات: 46] خارجين عن مقتضى الحدود والإلهية بأنواع الكفر والفسوق والعصيان، لذلك أهلكناهم وبالطوفان، { وما كانوا منتصرين } [الذاريات: 45].
ثم قال سبحانه إظهارا لكمال قدرته على الإنعام والانتقام: { والسمآء بنينها } أي: كيف يسع لهم الإباء والامتناع عن مقتضيات قدرتنا، والخروج عن رقبة إطاعتنا وعبوديتنا، مع أنا بنينا السماء المرفوعة المحفوظة { بأييد } غالبة وقدرة كاملة { و } بالجملة: { إنا لموسعون } [الذاريات: 47] قادرون غالبون بالاستقلال والاختيار، لا يعارض فعلنا، ولا ينازع أمرنا وحكمنا.
{ والأرض } أيضا { فرشناها } ومهدناها بالاستقلال والاستيلاء التام { فنعم الماهدون } [الذاريات: 48] الباسطون نحن بلا مشاركة.
{ و } مثل ما خلقلنا العلويات فواعل مؤثرات، والسفليات قوابل متأثرات { من كل شيء } من الأشياء الكائنة في بقعة الإمكان، وعرصة الزمان والمكان { خلقنا زوجين } صنفين مزدوجين { لعلكم } أيها المجبولون على فطرة المعرفة والتوحيد، المؤيدون بالعقل المفاض المتشعب من العقل الكل { تذكرون } [الذاريات: 49] فتعلمون أن الكل منه بدأ وإليه يعود، ولا شيء سواه موجود.
وبعدما ثبت أن ظهور الكل منه ورجوعه إليه سبحانه: { ففروا } أيها العارفون الموحدون { إلى الله } المسقط لعموم الإضافات من مقتضيات عالم الناسوت، وانخلعوا عن لوازم هوياتكم الباطلة وأنانياتكم العاطلة { إني لكم منه } بمقتضى وحيه وإلهامه { نذير } أنذركم عما يعوقكم من سلوك طريق توحيده { مبين } [الذاريات: 50] مظهر لكم آداب الطريقة الموصلة إلى مقصد الحقيقة، التي هي الوحدة الذاتية الإلهية.
{ و } بالجملة: لا تجعلوا { لا تجعلوا } ولا تتخذوا، ولا تعتقدوا { مع الله } الواحد الأحد، المنزه عن التعدد مطلقا { إلها آخر } مستحقا للإطاعة والرجوع، مستقلا في الوجود، وما يترتب عليه من الآثار { إني لكم منه نذير مبين } [الذاريات: 51] أنذركم عن الوعيدان الهائلة العاجلة والآجلة، واللاحقة عليكم بالشرك والإشراك وأنواع الفسوق والعصيان.
[51.52-60]
{ كذلك } أي: الأمر والحكم مثل ذلك أنذرهم، وبلغهم بلا مبالاة بإعراضهم واستهزائهم؛ إذ { مآ أتى } الضالين المسرفين { الذين } مضوا { من قبلهم من رسول } من الرسل الكرام { إلا قالوا } حين دعوتهم إلى الإيمان والتوحيد { ساحر أو مجنون } [الذاريات: 52] مثل ما يقول هؤلاء الحمقى في شأنك يا أكمل الرسل.
ثم قال على سبيل التعجب والإنكار: { أتواصوا به } أي: أوصى بعضهم بعضا؛ أي: أسلافهم لأخلاقهم بهذا القول والتكذيب، فتواطئوا عليه جميعا، مع أنه لا يمكنهم هذه التوصية في الأزمنة الطويلة { بل هم } أي: هؤلاء الأخلاف { قوم طاغون } [الذاريات: 53] مشاركون في الغي والضلال والعدوان مع أسلافهم في أهل فطرتهم وجبلتهم؛ لذلك اتصفوا بما اتصفوا لاشتراك السبب بينهم.
صفحه نامشخص