تفسير الجيلاني
تفسير الجيلاني
{ قل } يا أكمل الرسل نيابة عنا مهددا إياه: { تمتع } أيها الضال المضل { بكفرك } هذا في نشأتك هذه { قليلا } زمانا قليلا، ومدة يسيرة { إنك } ألبتة في النشأة ا لأخرى { من أصحاب النار } [الزمر: 8] أي: من ملازميها، ومن جملة ما فيها.
[39.9-10]
ثم قال سبحانه: { أمن هو قانت } أي: يتعجب المشرك المثبت لنا شركاء وأندادا من تهديدنا إياه بالنار وعذابها، فيظن أن من هو قائم على أداء العبادات، مواظب عليها { آنآء اليل } أي: في خلاله وأطراف النهار { ساجدا } متذللا واضعا جبهته على تراب المذلة من خشيتنا { وقآئما } على قدميه مدة متطاولة تعظيما لأمرنا، مع أنه { يحذر الآخرة } أي: العذاب الأحق فيها بمقتضى جلالنا وسخطنا { ويرجوا رحمة ربه } على مقتضى لطفه وجلاله وجماله كهؤلاء الكفرة بالله، الجهلة بشأنه، المتخذين له سبحانه أندادا ظلما وزورا، مع تعاليه عنه سبحانه.
وبعدما تفرست يا أكمل الرسل منهم هذا الظن والتسوية { قل } لهم على سبيل التبكيت والإلزام، مستفهما أياهم على سبيل التوبيخ والتقريع: { هل يستوي } المكلفون { الذين يعلمون } الحق بذاته وأسمائه وأوصافه، ويعبدون له سبحانه بمقتضى علمهم به، وبأوامره ونواهيه { والذين لا يعلمون } ذاته ولا شيئا من أوصافه وأسمائه، ولا يعبدون له أيضا؟ كلا وحاشا، من أين تتأتى المساواة ، فشتان ما بين العالم والجاهل، والعابد والعاصي، إلا أنه { إنما يتذكر أولوا الألباب } [الزمر: 9] أي: ما يتذكر ويتعظ بأمثال هذه المواعظ والتذكيرات المنبهة على سرائر التوحيد، إلا أولو الألباب الناظرون إلى لب الأمور، المعرضون عن قشوره.
{ قل } يا أكمل الرسل نيابة عنا مناديا لخلص عبادنا: { يعباد } أضافهم إلى نفسه اختصاص وتكريما { الذين آمنوا } منكم بوحدة ذاتي وظهوري حسب شئوني وتطوراتي بمقتضى أسمائي وصفاتي، مقتضى إيمانكم التقوى عن مقتضيات الهوى { اتقوا ربكم } واجتنبوا عن محارمه ومنهياته، واتصفوا بمأموراته، واعلموا أنه { للذين أحسنوا } الأدب مع الله { في هذه الدنيا } التي هي نشأة الاعتبار والاختيار { حسنة } وبأضعافها وآلافها أيضا في الآخرة التي هي دار القرار، فاعتبروا يا أولي البصائر والأبصار.
فعليكم الإتيان بالإحسان في كل حين وأوان وزمان ومكان { و } لا تفتروا عنه، وعن المواظبة عليه بتفاقم الأحزان وتلاطم أمواج الفتن في الأوطان؛ إذ { أرض الله } المعدة لأداء العبادات والاشتغال بالطاعات { واسعة } فسيحة، فعليكم الجلاء لأجل الفراغ والخلاء، فتهاجروا إليها متحملين ما لحقكم من الشدائد والمتاعب في الانتقال، صابرين على مفارقة الأوطان والخلان، ومصادفة الكروب والأحزان، واعلموا { إنما يوفى الصابرون } المتحملون لأنواع الشدائد والمشاق في طريق الإيمان { أجرهم } ويوفر عليهم الحسنات وأنواع المثوبات والكرامات { بغير حساب } [الزمر: 10] إلى توفية وتوفير لا يمكن ضبطه بالعد والإحصاء تفضلا عليهم وتكريما.
وفي الحديث صلوات الله على قائله:
" تنصب الموازين يوم القيامة لأهل الصلاة والصدقة والحج، فيوفون بها أجورهم، ولا ينصب لأهل البلاء، بل يصب عليهم الأجر، وحتى يتمنى أهل العافية في الدنيا أن أجسادهم تقرض بالمقاريض، مما يذهب به أهل البلاء من الفضل ".
[39.11-16]
ثم قال سبحانه آمرا لحبيبه بالتوصية والتبليغ لعموم عباده كلاما ناشئا عن محض الحكمة، خاليا عن رعونات الرياء، متمحضا للنصح والتكميل: { قل } يا أكمل الرسل { إني أمرت } من قبل ربي { أن أعبد الله } حق عبادته، وأطيعه حق إطاعته { مخلصا له الدين } [الزمر: 11] والانقياد الصادر مني، لأتسبب بإطاعتي وانقيادي على وجه الإخلاص كي أعرفه حق معرفته، ويفيض على قلبي زلال توحيده وكرامته.
صفحه نامشخص