تفسير الجيلاني
تفسير الجيلاني
{ و } بعدما كمل أمر الظهور والإظهار، وانبسط على عروش ما ظهر وبطن بالاستيلاء والاستقلال { سخر الشمس } أي: جذب وقبض نحوه سبحانه بمقتضى الجاذبة المعنوية الحبية الكاملة الوجود المطلق، الفائض على هياكل الموجودات المنعكسة من الأسماء والصفات الإلهية { والقمر } أي: الهويات القابلة لانعكاس شمس الذات المستخلفة عنها، إظهارا لكمال قدرته ومتانة حكمته؛ لذلك { كل } من كل أهل العناية { يجري } يكون ويدوم في مكانه ومكانته من التعينات موقوف { لأجل مسمى } أي: إلى حلول أجل معين مقدر من عند ربه بمقتضى جذبه وعنايته، فإذا حل الأجل، انقطع الجري والسير وارتفع السلوك.
{ ألا } أي تنبهوا أيها الأظلال الهالكة في شمس الذات { هو } أي: الموصوف بهذه الصفات الكاملة { العزيز } المنيع ساحة عز ذاته عن أن يحوم حول سرادقات عزه وجلاله بإدراك العقول المتحيرة والأوهام المدهوشة، لكنه { الغفار } [الزمر: 5] الستار لغيوم تعيناتكم بإشراق شمس الذات، وانقهار جميع ما لمع عليه نور الوجود على مقتضى جلاله وتفرده في نعوت كماله.
{ خلقكم } أي: أظهركم وأوجدكم بالتجليات الجمالية { من نفس واحدة } وهي طبيعة العدم القابلة لانعكاس أشعبة نور الوجود { ثم جعل } وإظهر { منها زوجها } إبقاء للتناسل، وتتميما للأزدواجات الغير المتناهية حسب الأسماء والصفات المتقابلة، الغير المتناهية الإلهية، إظهارا لكمال القدرة.
{ و } بعدما أتم سبحانه أمر إيجادكم وإثباتكم { أنزل لكم } أي: قسم وقضى لأجلكم تتميما لأمور معاشكم عناية منه وتكريما { من الأنعام } المناسبة لتغذيتكم وتقوية أمزجتكم { ثمانية أزواج } ذكرا وأنثى على مقتضى جبلتكم لتدوم بدوامكم، وهي الأصناف الثمانية المذكورة في سورة الأنعام، هذا في ظهوركم وبروزكم في عالم الشهادة، وفي عالم الغيب والبطون { يخلقكم } ويقدر موادكم { في بطون أمهاتكم خلقا من بعد خلق } أي: تقديرا بعد تقدير أعجب وأغرب من سابقه؛ بأن قدركم أولا نطفة، ثم علقة، ثم مضغة، ثم سواك إنسانا، ونفخ فيكم روحا من روحه، وبالجملة: أظهركم بعدما أخفاكم مدة { في ظلمات ثلاث } هي أصلاب آبائكم وحجب تعيناتكم وبطون أمهاتكم.
{ ذلكم } الذي فعل بكم هذه الأفعال الجميلة المتقنة { الله } المستقل بالألوهية والتصرف في ملكه وملكوته { ربكم } الذي رباكم وأحسن تربيتكم لا مربي لكم سواه؛ إذ { له الملك } الملكوت خاصة لا يشارك في ملكه، ولا ينازع في سلطانه وشأنه، فظهر أنه { لا إله } يعبد له ويرجع إليه في الخطوب { إلا هو } الواحد الأحد الصمد الحقيق بالحقية، المستحق بالألوهية والربوبية { فأنى تصرفون } [الزمر: 6] وتعدلون أيها المشركون المنحرفون عن جادة توحيده.
[39.7-8]
مع أنكم أيها الأظلال المنهمكون في بحر الحيرة والضلال { إن تكفروا } بالله، وتنكروا ظهوره واستيلاءه على ما ظهر وبطن بالاستقلال { فإن الله } المتعزز برداء العظمة والكبرياء { غني عنكم } وعن إيمانكم وإطاعتكم { و } غاية ما فيه أنه عز شأنه { لا يرضى } ولا يحب { لعباده } الذين ظهروا منه سبحانه بمقتضى أوصافه وأسمائه { الكفر } والجحود بذاته سبحانه، عطفا لهم وترحما عليهم؛ لأنهم جبلوا على فطرة الإيمان والعرفان، وإلا فهو سبحانه أعز وأعلى من أن يفتقر إلى إيمان أحد وإطاعته، أو يتضرر بكفره وإنكاره { وإن تشكروا يرضه لكم } أي: وكذا غني عنكم وعن شرككم نعمه الفائضة عليكم؛ إذ لا يعلل فعله سبحانه بالأغراض والأعواض، لكن يرضى عنكم لو شكرتم نعمه، ويزيد عليكم بأضعافها لإتيانكم بالمأمور وامتثالكم أمره، مع أن نفع شرككم عائد إليكم.
{ و } بالجملة: لا بد لكل واحد من المكلفين أن يمتثلوا بما أمروا من عنده سبحانه، حتى يصلوا ما وعدوا من المثوبات والكراما، واجتنبوا عما نهوا أيضا عنه؛ ليخلصوا من المهالك والدركات؛ إذ { لا تزر } تحمل نفس { وازرة } مرتكبة بحمل أثقال الأوزار والآثام { وزر } نفس { أخرى } كما لا تتصف بحسناتها { ثم } بعد انقضاء النشأة الأولى { إلى ربكم مرجعكم } كافة كما كان منشأكم { فينبئكم } ويخبركم سبحانه بعد رجوعكم إليه { بما كنتم تعملون } أي: بجميع ما جرى عليكم من سيئاتكم وحسناتكم، بلا فوت شيء منها، ويجازيكم على مقتضاها، وكيف لا يخبركم ويحاسبكم بأعمالكم { إنه } بذاته { عليم بذات الصدور } [الزمر: 7] أي: بجميع الأمور الكائنة المكنونة في صدور عباده؛ أي: بما خفي في ضمائرهم ونياتهم، فكيف بما صدر عن جوارحهم وآلاتهم.
وبعدما نبه سبحانه إلى أحوال عباده، شرع يعد مساوئهم وأخلاقهم الذميمة الناشئة من بشريتهم وبهيمتهم، فقال: { وإذا مس الإنسان } أي: لحقه وأحاط به { ضر } مؤلم مزعج { دعا ربه } متضرعا نحوه { منيبا إليه } إذ لا مرجع له سواه، ملحا لكشفه وإزالته { ثم إذا خوله } سبحانه وأزال عنه كربه وضره، وأعطاه وأفاض عليه متعهدا له، متفقدا حاله { نعمة } موهوبة له { منه } أي: من لدنه سبحانه تفضلا وتكريما إياه { نسي } ونبذ وراء ظهره { ما كان يدعو إليه من قبل } عن شدة ضره، وسورة كربه.
{ و } مع ذلك لم يقتصر على النبذ والنيسان، بل { جعل } وأثبت { لله } الصمد المنزه عن الضد والند { أندادا } وادعاهم شركاء له سبحانه، وإنما جعل وفعل كذلك { ليضل } الناس الناسين عهود ربهم { عن سبيله } ويحرفهم عن طريق توحيده، ساعيا في إغوائهم وإضلالهم، مجتهدا فيه.
صفحه نامشخص