طبقات مشایخ بمغرب
طبقات المشايخ بالمغرب لأبي العباس الدرجيني
ژانرها
وحكى عن عيسى بن علقمة المصري قال كان أبو الحر بمكة وكان له قلة تأتيه من البصرة وكان موسرا، قال: فكان يأمرهم أن يجعلوا تلك الغلة نقرة واحدة ذهبا، قال: فأوتي بها فقسمها نصفين، ففرق نصفها في فقراء المسلمين، وربعها في نفسه، وربعا يحبسه لنوائبه، ولمن يمر به من إخوانه المسلمين، وفي معونتهم، قال: فكان شاب قد لازم أبا الحر حتى كان هو صاحب أمره، والذي يلي حوائجه، قال: فأوتي بغلة تلك السنة، كما يؤتى بها فقسمها نصفين فأعطى الفقراء نصف وبقي النصف عنده أياما، ثم إنه احتاج إلى ثمنه فدعا الشاب، فقال: يا فلان اذهب بهذه القطعة فبعها، قال: فخرج الفتى بها فلما خلا به الشيطان، قال: لو قلت لأبى الحر أنها ضاعت ما سألني عنها، قال: فأبطأ عنه ثم آتاه فقال: ما حبسك؟ قال: ألا أن القطعة نشلت وذهبت قال أبو الحر: ففي الله الخلف، قال: ولم يسأله عن شيء ولم يعاتبه، قال: فخرج أبو الحر يوما إلى السوق فمر بالصائغ فإذا القطعة بين يديه موضوعة فاستأذن الصائغ في النظر إليها، قال: فنظر فعرفها، ثم وضعها ثم قال: من أين هذه القطعة؟ قال: ناس من بني مخزوم دفعوها إلي لأصوغ منها مرة أخرى فقال له الصائغ: يا أبا الحر إني سألت القوم عن القطعة فأخبروني أن فلانا- يعني الشاب الذي يخدم أبا الحر- هو الذي باعها لهم، قال: فبعث أبو الحر للمخزوميين فسألهم، فأخبروه أن الفتى باعها لهم، قال: فانصرف أبو الحر وكان له مجلس يجلس فيه للذكر يوم الاثنين ويوم الخميس، قال: فدعا الشيخ الشاب فقال له: يا فلان اذهب إلى فلان وفلان عدة من مشائخ المسلمين فأمرهم أن يحضروا في مجلسنا قال: ففعل، فلما توافى القوم، قال لهم أبو الحر: لا يكون أكثر كلامكم، إلا في تعظيم الأمانة لما عظمها الله، فان صاحبا لكم قد ابتلي، قال: ففعلوا وعظموا من أمر الأمانة حتى انتهى الكلام إلى أبي الحر، فعظم من ذلك ما شاء الله، قال: والفتى جالس قد غمره العرق، ودخله من ذلك ما شاء الله، قال: ثم خرج القوم ولم يبق في البيت إلا أبو الحر والفتى فوثب إليه الفتى، فقال: يا أبا الحر إني بالله ثم بك، قد والله هلكت أنا أخذت القطعة، قال: فقال أبو الحر: الله أكبر، هذا الذي أردت هي لله ولك ولا حاجة لي فيها، قال: فاستغفر الله الفتى، وأقام مع أبى الحر على أحسن ما كان وحسنت حاله حتى مات.
قال وأخبرني علي بن علقمة أن شابا كان يأتي أبا الحر ويلزم مجلسه، ثم فقده فأتى إلى والدته، فسألها عنه فقالت: يا أبا الحر قد والله أخذ في السفه والبطالة، وما يأتينا إلا من الليل إلى الليل، ونصف النهار وقد والله ذهب ما في يده ولم يستتر بشيء ، قال: فقال لها أبو الحر: إذا أنا جئت وهو هنا فأذني لي ولا تحبسيني على الباب، قال: فلما كان نصف النهار أتى أبو الحر ومعه ستة أثواب وثلاثمائة درهم حتى وقف على الباب، فاستأذن فأذنت له العجوز فدخل فإذا بالفتى في ناحية من البيت في خلق له، قال: وأقبل عليه أبو الحر، ثم قال له: ما أرى منعك عن أن تأتينا إلا العري ونحن أسأنا في أمرك، فاعلم أنا لا نعود إلى مثلها، فخذ هذه الأثواب فاكتس منها بثوبين ولوالدتك ثوبين، ولأختك ثوبين، وهذه الدراهم فأنفقها على نفسك، ثم خرج أبو الحر، قال: فرجع الفتى إلى أحسن ما كان وحسنت حاله، فلم يزل مع أبي الحر حتى قتل معه يوم مكة.
صفحه ۶۳