371

(98 أ) هذا ولنعد إلى موضوعنا الذي فارقناه ونقول : ويقال الذي بذاته من جهة أخرى : فإنه إذا كان شيء عارضا لشيء وكان يؤخذ في حد العارض إما المعروض له كالأنف في حد الفطوسة، والعدد في حد الزوج، والخط في حد الاستقامة والانحناء؛ أو موضوع المعروض له كالخارج من المتوازيين لمساو زواياه من جهة لقائمتين؛ أو جنس المعروض له بالشرط الذي يذكر، فإن جميع ذلك يقال له إنه عارض ذاتي وعارض للشيء من طريق ما هو هو. وهذان هما اللذان يدخلان من المحمولات في البراهين، واللواتي يؤخذ في حدها جنس موضوع المسألة : إن كان ذلك الجنس أعم من موضوع الصناعة لم يستعمل في الصناعة على الوجه العام، بل خصص بموضوع الصناعة. فيكون الضد المستعمل في الطبيعيات مخصصا من جهة النظر فيه بما فيه بما يكون طبيعيا. والمناسبة في المقادير مناسبة مقدارية؛ وفي العدد مناسبة عددية تجعل بحيث يدخل في حدها موضوع الصناعة. وأما ما خرج من موضوع الصناعة فلا يعتد به ولا يلتفت إليه ولا ينتفع به من حيث هو خارج. نعم إن كان خارجا من موضوع المسألة وليس خارجا من موضوع الصناعة، فلا يؤخذ في حده موضوع المسألة، بل جنسه وموضوعه وأمر أعم منه. ولكن لا بد من أن يؤخذ موضوع الصناعة في حده أخر الأمر، فهو مما يدخل في البرهان. فإن المحمول في قولك " هذا الخط مساو لهذا الخط " و " هذا المضروب في نفسه زوج " محموله أعم من الموضوع؛ فكيف يؤخذ في حده الموضوع؟ فليس كل محمول في المقدمات البرهانية يكون إما ليس الموضوع مأخوذا في حده، وإما ما هو مأخوذ في حد الموضوع، اللهم إلا أن يقال إن المحمولات المقدمات إما أن تؤخذ في حدود الموضوعات لها، أو يؤخذ في حدودها الصناعة؛ أو يقال إن المحمولات المقدمات إما أن تؤخذ في حدود الموضوعات لها، أو تكون الموضوعات أو ما يقومها مما هو من تلك الصناعة يؤخذ في حدودها. وإلى هذا ذهب المعلم الأول وإن لم يفصح به. فكل محمول برهاني إما مأخوذ في حد الموضوع، أو الموضوع وما يقومه مأخوذ في حده : إما مطلقا كالسطح للمثلث، وإما لتخصيص يلحق به ضرورة، كما أن الخط إذا حمل عليه " المساوي " فإنما يحمل عليه " المساوي لخط ما " وهو مخصص. والعالم إذا حمل عليه أنه واحد حمل عليه الواحد في العالمية لا الواحد مطلقا. وهذا أيضا تخصيص له بقول أو فعل.

وأما كيفية أخذ ما يقوم الموضوع في حد العارض فذلك أن يؤخذ موضوع المعروض له أو جنس المعروض له أو موضوع جنسه. الأول كما يؤخذ العدد في حد مضروب عدد زوج في عدد فرد؛ والمثلث في حد مساواة مضروب ضلعه في نفسه لمضروب الآخرين كل في نفسه : فإن موضوع هذا العارض هو المثلث القائم الزاوية. ولكن يؤخذ في حده المثلث. والثاني كما يؤخذ السطح في حد المثلث القائم الزاوية، فإنه موضوع جنسه. والثالث كما يؤخذ العدد في حد الزوج. فجميع هذه يقال لها أعراض ذاتية.

فما كان من المحمولات لا مأخوذا في حد الموضوع، ولا الموضوع أو ما يقومه مأخوذا في حده، فليس بذاتي، بل هو عرض مطلق غير داخل في صناعة البرهان مثل البياض للققنس وإن كان لازما على ما سنوضح. وما بعد هذا فيقال بذاته لا على جهة تليق بالحمل والوضع ولا لائقا بالبرهان : فيقال لما معناه غير مقول على موضوع أو موضوع وهو قائم بذاته. وأما الماشي والمحمولات كلها فكل واحد منها يقتضي معنى ذاته مثل معنى الماشي؛ ويقتضي شيئا آخر هو الموضوع له. فليس ولا واحد منها مقتصر الوجود والدلالة في المعنى على ذاتها. فذواتها ليست هي بذواتها.

ويقال أيضا " بذاته " للشيء الذي هو سبب للشيء موجب له : مثل إن الذبح إذا معه الموت لم يقل إنه قد عرض ذلك اتفاقا : بل الذبح يتبعه الموت بذاته، لا مثل أن يعرض برق إثر مشى ماش، أو يمشي إنسان فيعثر على كنز، وسائر كل ما كان اتفاقا.

صفحه ۴۲۷