المنطق
المنطق
وإن قال قائل : إنكم أخذتم الضروريات التي بمعنى " ما دام الموضوع موصوفا " من جملة المطلقات في كتاب القياس، فكانت هناك كليات مطلقة، وكانت كليتها لا تبطل بالخلل الواقع من جهة الزمان، فالجواب : فأنا إنما كنا نأخذها مطلقات بأن نرفع عنها جهة الضرورة؛ وهاهنا أثبتنا لها جهة الضرورة في المحمول. وحيث كنا نجعلها مطلقة فما كنا نقول إن الضروري - ما دام الموضوع موصوفا بما وصف به - مطلق من جهة هذه الضرورة بالفعل، بل مطلق من جهة إمكان اشتراط هذه الضرورة فيه، لا إمكان الضرورة الحقيقية، حتى إن المقدمة التي إذا اشترط فيها الضرورة لم يمكن أن تشترط إلا من هذه الجهة، فهي مطلقة إذا خلت من هذه الشرائط والجهات. وفرق بعيد بين إمكان اشتراط شيء وبين اشتراطه بالفعل. فهاهنا إذا اشترطت الضرورة انتقضت بالخلو عن الحكم أي زمان كان، وهناك إذا لم تشترط الضرورة، بل كانت القضية مطلقة بلا شرط بالفعل، فلم تنتفض بالخلو عن الحكم زمانا إذ وجد زمانا وكان لم يشترط دوام الحمل للوضع. ولو اشترط هناك شرط الضرورة فكان بالضرورة ما دام موصوفا بالموضوع، فلم يوجد في بعض زمان اتصافه به، لكان القول منتفضا. ولنعبر عن هذا من جهة أخرى فنقول : إن الذي يعتبر فيه الخلو زمانا والدوام زمانا ها هنا هو غير الذي كان يعتبر فيه الأمران هناك. فهناك إنما كان يعتبر ذلك ما بين حدي المطلوب على الإطلاق : وهما ذات الشيء الأبيض وذات اللون المفرق للبصر، فيعتبر حال المحمول عند ذات الموضوع من حيث ذاته. وهاهنا يعتبر ذلك في شرط للموضوع وهو - ما دام ذات الموضوع موصوفا بصفة أنه أبيض. وهناك لم كن بشرط هذا بل كان إنما يكون مطلقا لأنه ليس يعرض لذات الموضوع دائما، بل في وقت اتصافه بأنه كذا. فكان ليس كل موصوف بأنه أبيض فهو ذو لون مفرق للبصر ما دام موصوفا بأنه أبيض. فكان " ذو لون مفرق للبصر " لا يحمل في كل وقت على ذات الموصوف بأنه أبيض، بل وقتا ما، وهاهنا كذلك أيضا. ولكن إنما يمنع هاهنا أن يخلو شيء من الموضوع عن المحمول زمانا إذا أخذنا الموضوع بالشرط الذي تصدق معه الضرورة وكان هناك كذلك أيضا. وهذه المقدمة تستعمل في البرهان مع حذف جهة الضرورة ولكن تنوى. وإنما تكون مطلقة بالحقيقة إذا حذفت ولم تنو، بل نظر إلى الوجود فقط.
فقد انحلت هذه الشبهة العويصة.
الفصل الثاني في المحمولات الذاتية التي تشترط في البرهان
وإذا كانت المقدمات البرهانية يجب أن تكون ذات المحمولات للموضوعات الذاتية التي تشترط في البرهان غير غريبتها، فإن الغريبة لا تكون عللا. ولو كانت المحمولات البرهانية يجوز أن تكون غريبة، لم تكن مبادئ البرهان عللا، فلا تكون مبادئ البرهان على للنتيجة. فلنبين ما الذي هو بذاته فنقول : إن الذي هو بذاته يقال على وجوه : منها وجهان خاصان بالحمل والوضع، وهما المعتد بهما في " كتاب البرهان " : فيقال " ذاتي " من جهة لكل شيء مقول على الشيء من طريق ما هو، وهو داخل في حده، حتى يكون سواء قلت " ذاتي " أو قلت " مقول من طريق ما هو " . وهذا هو جنس الشيء وجنس جنسه وفصله وفصل جنسه وحده وكل مقوم لذات الشيء مثل الخط للمثلث، والنقطة للخط المتناهي من حيث هو خط متناه، وهكذا قيل أيضا في التعليم الأول. فأقول قبل أن نرجع إلى الغرض يجب أن نستيقن من هذا أن الفصول صالحة في أن تكون داخلة في جواب ما هو صلوح الجنس. وفي التعاليم الأول وضع الفصل والجنس كل واحد منهما للنوع كالآخر في كونه داخلا في ماهيته، ومقولا في طريق ما هو. ثم قد جعل الفصل الأخير المورد في حد الجنس بأنه مقول في جواب ما هو : وفرق به بين الجنس والفصل وغير الفصل.
فيجب من ذلك أن يكون المقول في جواب ما هو غير المقول في طريق ما هو، وأن يكون بينهما فرقان على ما رأيناه وأوضحناه في موضعه.
صفحه ۴۲۶