350

فإذا قد تقرر أنه كيف يكون التعليم والتعلم الذهني، وأن ذلك إنما يحصل بعلم سابق؛ فيجب أن تكون عندنا مبادئ أولى للتصور، ومبادئ أولى للتصديق ، ولو أنه كان كل تعليم وتعلم سابق؛ ثم كان كل علم بتعليم وتعلم؛ لذهب الأمر إلى غير النهاية؛ فلم يكن تعليم وتعلم. بل لا محالة أن يكون عندنا أمور مصدق بها بلا واسطة؛ وأمور متصورة بلا واسطة؛ وأن تكون هي المبادئ الأولى للتصديق والتصور. ولنبدأ بمبادئ التصديق؛ ولنشغل أولا بمبادئ التصديق اليقيني.

الفصل السابع في البرهان المطلق وفي قسميه اللذين أحدهما برهان " لم " والآخر برهان " إن " ويسمى دليلا

ونفصل أولا وجوه العلم المكتسب : فقد يقال علم مكتسب للتصور الواقع بالحدود والمصادرات والأوضاع التي تفتتح بها العلوم؛ ويقال لكل تصديق حق وقع من قياس منتج أن كل كذا كذا أو ليس كذا؛ ويقال لما أخص من هذا : وهو كل تصديق حق وقع من قياس بوقع التصديق بأن كذا كذا؛ ويوقع أيضا تصديقا بأنه لا يمكن أن لا يكون كذا. ومعلوم أن بين التصديقين فرقانا : لأن النتائج المطلقة يعلم إنها كذا ولا يكون معها التصديق بإنها لا يمكن ألا تكون كذا إلا إذا أخذنا المطلق عاما للضروري ما دام الذات موجودة؛وللضروري ما دام الموضوع موجودا على ما وضع به؛ وللموجود غير الضروري بأحد الوجهين، ثم علم وجه الضرورة بعد علم وجه الإطلاق، وذلك نظر ثان. فالعلم الذي هو بالحقيقة يقين هو الذي يعتقد فيه أن كذا كذا؛ ويعتقد أنه لا يمكن ألا يكون كذا اعتقادا لا يمكن أن يزول.

فإن قيل للتصديق الواقع إن كذا كذا - من غير أن يقترن به التصديق الثاني أنه يقين فهو يقين غير دائم؛ بل يقين وقتا ما.

فالبرهان قياس مؤتلف يقيني. وقد قيل في تفسير هذا أقوال. ويشبه ألا تكون المراد باليقيني أنه يقيني النتيجة؛ فإنه إذا كان يقيني النتيجة فليس هو نفسه يقينا؛ وإن أمكن أن يجعل لهذا وجه متكلف لو تكلف جعل إدخال المؤتلف فيه حشوا من القول. بل يكفي أن يقال قياس يقيني النتيجة.

ويغلب على ظني أن المراد بهذا قياس مؤلف من يقينيات وأن في اللفظ أدنى تحريف. فاليقينية إذا كانت في المقدمات كان ذلك حال البرهان من جهة نفسه. وإذا كانت في النتيجة كان ذلك حاله بالقياس إلى غيره. وكونه يقيني المقدمات أمر له في ذاته، فهو أولى أن يكون مأخوذا في حده ومعرفا لطبيعته.

والاستقراء الذي تستوفى فيه الجزئيات كلها فإنه بهذا القياس أيضا إن كانت القضايا الجزئية يقينية، وهي التي تصير في القول كبريات وإن كان حقها أن تكون صغريات. وهي في جملة البرهان المفيد للآن. وذلك لأن ذلك الاستقراء هو بالحقيقة قياس، وهو القياس الشرطي الذي اسمه المقسم. فهو داخل في هذا الحكم. إنما الاستقراء الآخر هو الذي لا يدخل في هذا الحد. وقد علمت أن القياس المقسم كيف هو قياس حقيقي اقتراني، إذ قد علمت أنه ليس كل قياس اقتراني إنما هو من جملتين. فيجب ألا يروج عليك أن شيئا يفيد اليقين في الإن وليس ببرهان. ولا يلتفت إلى ما يقوله من لا يعرف من أصناف القياسات الاقترانية إلى الحملية فقط. بل ذلك الاستقراء قياس ما.

صفحه ۴۰۴