المنطق
المنطق
ومبادئ العلوم مختلف في تقديمها على العلوم وتصدير التعاليم بها. ففي بعضها إنما يوضع أن الأمر موجود أو غير موجود فقط، لأن الضرورة (92 أ) تدعو فيها إلى هذا المقدار كقولنا " إن الأمر لا يخرج عن طرفي النقيض " ، أو مثل وضعهم " إن الأشياء المساوية لشيء واحد متساوية " . وفي بعضها إنما يوضع أولا ماذا يدل عليه الاسم كما ذكرناه من حال المثلث والمربع المذكورين في فاتحة كتاب الاسطقسات، ثم من بعد ذلك يبين وجوده. وفي بعضها يحتاج أن يوضع الأمران جميعا : مثل الوحدة في فاتحة علم العدد. ونحن مستقصون لهذا فنقول : إن الأمور التي تذكر في المبادئ منها معان مركبة ومنها معان مفردة. والمعاني المركبة إنما يليق بها أن يستدعي فيها التصديق لا لأن تعطي لها الحدود، فإن التركيب الخبري للتصديق.وأما الحدود فللمعاني المفردة وما في حكم المفردة. والقضايا المتعارفة والأصول الموضوعة مركبة، فإذن لا يتحقق فيها معنى إعطاء الحد والماهية، ولا بد من أن تقبل بالهلية ليتبين بها غيرها. فقد حصل من هذا القسم من المبادئ يوضع بالهلية. وأما المعاني المفردة فمنها ما هي أعراض موضوع الصناعة، ومنها ما هي داخلة في جملة موضوع الصناعة. فما كان منها من أعراض موضوع الصناعة وآثاره، فهي التي تطلب في الصناعة ليصحح فيها وجودها. ليس وجودها إلا للموضوع. فيكون النظر في أنها موجودة موضوع الصناعة لتلك الصناعة. وذلك هو النظر في أنها موجودة. فإن إثبات وجودها إلى تلك الصناعة. فهذه لا يجوز أن تكون بينة الوجود ومجهولة الموضوع الصناعة، لإذ موضوع الصناعة كما يبين لك من بعد هو مأخوذ في حدها ووجودها أن يكون له. وإذ هذه في الصناعة المستعملة لموضوعها غير بينة الوجود، وإنما يطلب وجودها لموضوع الصناعة، بل وجودها مطلقا في تلك الصناعة، فيستحيل أن يفرض وجودها مطلقا، فمستحيل أن يفرض وجودها في المبادئ. وإذ لا بد من أن تفهم حدودها فيجب أن توضع حدودها في المبادئ. فهذا القسم حدودها في المبادئ دون وجودها.
وأما ما كان من المفردات داخلا في جملة الموضوع فلا بد من أن يفهم، ولا بد أيضا من أن يعترف بوجودها وأنها حقة معا. فإنها إن لم تفهم ماهيتها لم يمكن أن يعرف شيء من أمرها. وإن لم يوضع وجودها فكيف يطلب وجود شيء لها؟ وإذ لا مفرد في العلوم البرهانية إلا شيء داخل في الصناعة : والداخل في الصناعة إما الموضوع الذي للصناعة وما هو منه، وإما أحكام الموضوع. فإذن بعض المفردات توضع حدودها في المبادئ دون وجودها : وبعضها توضع حدودها ووجودها.
وإذ ما خلا المفرد المركب، والمركب النافع في العلوم قضية، والقضية إنما يوضع وجودها لا محالة دون حدها. وعلى ما قلنا فتبين من جميع ذلك أن من الأمور المصدرة في الصناعة ما يوضع بهليته فقط، ومنه ما يوضع بماهيته. ومنه ما يوضع بهليته وماهيته. وأما مطلب " اللم " فأنه على كل حال متأخر عن المطلبين معا؛ فإن لم يتصور معناه فإن طلب اللم فيه محال، وما تصور أيضا معناه وأنه ما هو أو ما معنى الاسم الدال عليه، ولم يعط أنه موجود أو غير موجود بحال أو على الإطلاق، فإن طلب اللم فيه أيضا محال. ولكن طلب اللم الذي بحسب القول ربما كان متقدما على طلب اللم الذي بحسب الأمر في نفسه. فربما صح عندنا بقياس أن ج ب ولا ندري العلة في نفس الوجود لكون ج ب . فنكون قد علمنا أنا إذن لم نعتقد أن ج ب ولم نعلم أنه لم كان ج ب في نفس الأمر. وربما كان مطلب " لم " الذي بحسب الأمر في نفسه غير مفتقر إلى مطلب " اللم " الذي بحسب القول، وذلك إذا كان الشيء بينا بنفسه بالحس. وأما علته فخفية مثل جذب المغناطيس الحديد، فإن ذلك ليس يمكن أن يثبت بقياس أو بطلب بلم حتى يعطى الحد الأوسط فيه. ولكن إذا أصيب بالحس خطر بالبال طلب اللم فيطلب لم صار مغناطيس يجذب الحديد، فيطلب علة الأمر في نفسه لا علة التصديق به. وكثيرا ما يتفق أن يكون الحد الأوسط في القياس - وهو علة القياس - علة أيضا للأمر في نفسه فيكون قد اجتمع المطلبان معا في بيان واحد.
الفصل السادس في كيفية إصابة المجهولات من المعلومات
صفحه ۴۰۱