346

أما المطالب بحسب ما يحتاج إليه هنا فإنها بالقسمة الأولى ثلاثة أقسام، وبالقسمة الثانية ستة. أما بالقسمة الأولى فمطلب " ما " ومطلب " هل " ومطلب " لم " . ومطلب " ما " على قسمين : أحدهما الذي يطلب به معنى الاسم كقولنا ما الخلاء وما العنقاء؟ والثاني الذي تطلب به حقيقة الذات كقولنا ما الحركة وما المكان؟ ومطلب " هل " على قسمين : أحدهما بسيط وهو مطلب هل الشيء موجود على الإطلاق، والآخر مركب وهو مطلب هل الشيء موجود كذا أو ليس موجودا كذا، فيكون " الموجود " رابطة لا محمولا، مثل قولك هل الإنسان موجود حيوانا أو ليس موجودا حيوانا. ومطلب " لم " على قسمين :فإنه إما بحسب القول وهو الذي يطلب الحد الأوسط، وهو علة لاعتقاد القول والتصديق به في قياس ينتج مطلوبا ما، وإما بحسب الأمر في نفسه وهو يطلب علة وجود الشيء في نفسه على ما هو عليه من مجوده مطلقا أو وجوده بحال. وأما مطلب الأي والكيف والكم والأين والمتى وغير ذلك، فهي راجعة بوجه ما إلى " الهل " المركب. فإن أراد أحد أن يكثر المطالب بتعديده هذه فليفعل، إلا أن المطالب العلمية الذاتية هي تلك. ومع ذلك فإن مطلب " أي " أبسط هذه البواقي وأشد دلالة على المطلوب به، فإنه يطلب به تمييز الشيء بما يخصه، وتلك أوسع مذهبا وأعرض مجالا. وإن أحب أحد أن يجعل مطلب " أي " مشتملا بوجه على مطالب كيف وكم وأين وغير ذلك فليفعل. فحينئذ يكون مطلبا " هل " و " لم " يطلبان التصديق، ومطلبا " ما " و " أي " يطلبان التصور. فمطلب " ما " الذي بحسب الاسم متقدم على كل مطلب؛ وأما مطلب " ما " الذي بحسب تحقق الأمر في نفسه فمتأخر عن مطلب " هل " البسيط. فإن الذي يطلب ما ذات الحركة وما الزمان فإنما يطلب مائية أمر موجود عنده. وأما إن طلب أحد هل حركة أو هل زمان أو هل خلاء أو هل إله موجود، فيجب أن يكون فهم أولا ما تدل عليه هذه الأسامي : فإنه يمكن أن يعلم ما يدل عليه الاسم ولا يعلم هل ذلك المدلول عليه موجود أو غير موجود. وإن كان الحد إنما هو بالحقيقة للموجود، ولكن لا يوقف في أول الأمر أن هذا القول حد بحسب الاسم أو بحسب الذات إلا بعد أن يعرف أن الذات موجودة. ولذلك يوضع في التعاليم حدود أشياء يبرهن على وجودها من بعد كالمثلث والمربع وأشكال أخرى حدت في أول كتاب " أسطقسات الهندسة " . فكان حدا بحسب شرح الاسم، ثم أثبت وجودها من بعد، فصار الحد ليس بحسب الاسم فقط بل بحسب الذات : بل صار حدا بالحقيقة. ويجب أن يعلم أن الفرق بين الذي يفهم من الاسم بالجملة والذي يفهم من الحد بالتفصيل غير قليل. فكل إنسان إذا خوطب باسم فهم فهما ما ووقف على الشيء الذي يدل عليه الاسم إذا كان عالما باللغة. وأما الحد فلا يقف عليه إلا المرتاض بصناعة المنطق. فيكون أحد الأمرين معرفة، والثاني علما، كما أن الحس معرفة والعقل علم.

صفحه ۴۰۰