160

خطر لي أن جر العربات والتحلي بالجلاجل لا يلائم وقار الجمل وكبرياءه، وذكرت ما كان للجمال من شأن أيام كانت تعبر الصحارى وتجوب المسافات البعيدة

وتحمل أثقالكم إلى بلد لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس ، وكيف كانت الإبل في الحجاز عماد الحجاج في ركوبهم وحمل أمتعتهم. وذكرت كثيرا من الشئون التي كانت تغلي قيمة الجمل وتعلي قدره، وقلت: إن الجمل لا خطر له اليوم، والذي يرى الإبل في الجزيرة العربية تقطع المسافات القصيرة حائدة عن طريق السيارات، يعرف أنها ذلت وهانت، والذي يعلم كيف كانت عناية الناس بالنجائب والمهاري وكيف أغفلوها اليوم يعلم كيف هان أمر الإبل.

الجمل قد أعفي من الأحمال الشاقة والمسافات البعيدة واستراح من عناء طويل وسفر مديد، فهو اليوم أصلح حالا وأهدأ بالا؛ ولكن الراحة ليست كرامة، والاستغناء عن الجمل يريحه ويذله ويعفيه من الحمل والسير ويهينه. لن يكون للجمل بعد اليوم ما كان له من مكانة في الأدب، ولن يذكر في الأسفار ويشاد بصبره ووفائه وصحبته في الليل والنهار والحر والقر، ولن يتحدث إليه الراكب يصفه ويشبهه بالنعام والحمار الوحشي والثور كما كان يفعل شعراء الجاهلية ومن سار على نهجهم من شعراء الإسلام.

فكرت في الأمر كثيرا وقلبت الرأي في ماضي الجمل وحاضره وفي راحته اليوم وعنائه بالأمس، فلم تكف نفسي عن الرثاء للجمل والنفور من إهانته والاستخفاف به، وأن في جر العربات وحمل الجلاجل ما يذهب بوقاره وهيبته.

الأربعاء 27 محرم/8 نوفمبر

بين الاستقلال والتقليد

من أشق الأمور وأثقلها على النفس أن يرى الإنسان لنفسه، ويعمل برأيه، ويفكر مستقلا، ويتبع ما يهديه إليه تفكيره. كثيرا ما نرى أمرا عندنا ورثناه من تاريخنا أو اهتدينا إليه في حاضرنا، وهو صواب لا يرده عقل ولا يجتويه ذوق، ولكن ليس له قبول في الحضارة الغربية المحيطة بنا. فترى القليل يتمسك به غير مبال بالآداب الغربية وأنصارها، وترى قليلا يرونه حسنا ولا يعملون به؛ سيرا مع السابلة، وجريا مع التيار وعجزا عن الاستقلال، وخجلا من المخالفة. وترى أكثر الناس يهجرونه ويقبلون ما يخالفه من سنن الغرب ويستحسنونه ولا يقبلون فيه عيبا، ولا يدركون فيه نقصا؛ إذ كان ميزانهم فيما يأتون وما يذرون عمل الغرب وتركه. كل ما جاء عن الغربيين وصلوه بهذه الحضارة الباهرة، واحتجوا بها كلها، كأن الحضارة التي أخرجت هذه العلوم والصناعات لا تخطئ في الأمور الاجتماعية، ولا تنشأ فيها سنن سيئة، وكأن كل سنة تستحسن عندهم هي حسنة عندنا لا محالة. وكم عند الغربيين من مساوئ هم يعرفونها، وهم يعيبونها! وكم عندهم من آداب هي لهم حسنة وهي لغيرهم قبيحة!

إننا في فتنة عمياء من هذا العصر، وفي حيرة وقلق. والعاقل الشجاع الحر ذو الرأي، هو في جهاد دائم من القول والفعل، يسخر الناس منه وهو يسخر منهم، ويقول فلا يسمع له، ويعمل فلا يقتدى به، ولكن أخذ الله الميثاق على أولي العلم والرأي أن يصدعوا بالحق لا يبالون، وأن يتبعوه ولو كره المبطلون.

الخميس 28 محرم/9 نوفمبر

خلوة إلى النفس

صفحه نامشخص