نفيس يختلف عن لباس القوم، أو وقف على رأسه ﷺ حرس، أو اتخذ كرسيا يجلس عليه كالملوك أو الأمراء، ما اضطر الصحابي ليسأل عنه ولعرفه بمجرد نظرة واحدة على أهل المسجد، وقد ذكر ابن حجر دليلا آخر على تواضعه وعدم كبره ﷺ حيث قال: (وفيه ما كان رسول الله ﷺ عليه من ترك التكبر؛ لقوله: بين ظهرانيهم- أي بينهم- وزيد لفظ الظهر ليدل على أن ظهرا منهم قدامه وظهرا وراءه فهو محفوف بهم من جانبيه) «١» . كما أن كفار مكة قد أثبتوا لنا تواضعه ﷺ من حيث أرادوا أن يذموه ويقيموا الحجة على عدم نبوته، قال تعالى: وَقالُوا مالِ هذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْواقِ لَوْلا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا [الفرقان: ٧] . وهذا إقرار منهم بتواضعه ﷺ وأنه لا يريد أن يتفضل على أصحابه، فكان يمشي في الأسواق، يبيع ويشتري، ولا يترفع عن ذلك، بالرغم أن له أصحابا يكفونه ذلك وزيادة، ومع أن مرادهم من هذا القول هو نقض نبوته، ولكنهم زكّوة من حيث لا يعلمون.
بعض فوائد الحديث:
الفائدة الأولى:
في النبي ﷺ:
١- بلاغته وحكمته في رد سؤال الأعرابي: حيث إن الأعرابي لما ناداه بقوله: (يا ابن عبد المطلب)، ولم يراع منزلة النبوة، أجابه النبي ﷺ بقوله: «قد أجبتك»، وقال ابن حجر ﵀: (وقد قيل: إنما لم يقل له: نعم؛ لأنه لم يخاطبه بما يليق بمنزلته من التعظيم مع قوله تعالى: لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا [النور: ٦٣] . والعذر عنه- إن قلنا: إنه قدم مسلما- أنه لم يبلغه النهي وكانت فيه بقية من جفاء الأعراب) «٢» .
وأقول: وهذا يدل على حكمته التي تقتضي أن يكون لكل مقام مقال، فكان هذا الرد لفتا لانتباه الصحابة وتعليما لهم بجفاء مسلك الأعرابي.
٢- سعة صدره ﷺ عند تعليم الأمة والحرص على تأليف قلب السائل خاصة إذا كان حديث عهد بالإسلام، يتبين ذلك من:
أ- لم يوجه النبي ﷺ الأعرابي بوجوب مراعاة مقام النبوة عند مخاطبته ﷺ فلم يعنفه بل قبل منه قوله: (أيكم محمد؟) وقوله: (يا ابن عبد المطلب) .
(١) انظر فتح الباري (١/ ١٥٠) .
(٢) انظر فتح الباري (١/ ١٥١) .
1 / 363