سبيل المهتدين إلى شرح الأربعين النووية
سبيل المهتدين إلى شرح الأربعين النووية
ناشر
الدار العالمية للنشر - القاهرة
شماره نسخه
الأولى
سال انتشار
١٤٤٢ هـ - ٢٠٢٠ م
محل انتشار
جاكرتا
ژانرها
- فِي حُكْمُ تَارِكِ الصَّلَاةِ تَكَاسُلًا:
قَالَ العَلَّامَةُ الشَّوكَانِيُّ ﵀: "وَإِنْ كَانَ تَرْكُهُ لَهَا تَكَاسُلًا مَعَ اعْتِقَادِهِ لِوُجُوبِهَا -كَمَا هُوَ حَالُ كَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ-؛ فَقَدْ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي ذَلِكَ.
فَذَهَبَتِ العِتْرَةُ وَالجَمَاهِيرُ مِنَ السَّلَفِ وَالخَلَفِ -مِنْهُمْ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ- إلَى أَنَّهُ لَا يَكْفُرُ بَلْ يَفْسُقُ، فَإِنْ تَابَ؛ وَإِلَّا قَتَلْنَاهُ حَدًّا كَالزَّانِي المُحْصَنِ، وَلَكِنَّهُ يُقْتَلُ بِالسَّيفِ.
وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنَ السَّلَفِ إلَى أَنَّهُ يَكْفُرُ (^١)، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي
_________
(^١) قُلْتُ: وَهَذَا الكُفْرُ عِنْدَهُم مَقْرُونٌ بِالاسْتِتَابَةِ كَمَا هُوَ قَولُ الإِمَامِ أَحْمَدَ ﵀، وَسَيَاتِي.
قَالَ الشَّيخُ صَالِحُ آلِ الشَّيخِ حَفِظَهُ اللهُ فِي شَرْحِهِ عَلَى الأَرْبَعِينَ -شَرْحِ الحَدِيثِ الثَّالِثِ-: "الصَّحِيحُ أَنَّ تَرْكَ الصَّلَاةِ تَهَاوُنًا وَكَسَلًا كُفْرٌ أَكْبَرٌ، لَكِنَّ كُفْرَهُ بَاطِنٌ وَلَيسَ كُفْرُهُ ظَاهِرًا، وَلَيسَ بِبَاطِنٍ وَظَاهِرٍ جَمِيعًا حَتَّى يَثْبُتَ عِنْدَ القَاضِي، لِأَنَّهُ قَدْ يَكُون لَهُ شُبْهَةٌ مِنْ خِلَافٍ أَو فَهْمٍ أَو نَحْوِ ذَلِكَ، وَلِهَذَا لَا يُحْكَمُ بِرِدَّةِ مَنْ تَرَكَ الصَّلَاةَ بِمُجَرَّدِ تَرْكِهِ، وَإِنَّمَا يُطْلَقُ عَلَى الجِنْسِ: أَنَّ مَنْ تَرَكَ الصَّلَاةَ فَهُوَ كَافِرٌ الكُفْرَ الأَكْبَرَ، وَأَمَّا المُعَيَّنُ؛ فَإِنَّ الحُكْمَ عَلَيهِ بِالكُفْرِ وَتَنْزِيلَ أَحْكَامِ الكُفْرِ كُلِّهَا عَلَيهِ هَذَا لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ حُكْمِ قَاضٍ يَدْرَأُ عَنْهُ الشُّبْهَةَ وَيَسْتَتِيبُهُ حَتَّى يُؤَدِّيَ ذَلِكَ، وَهَذَا هُوَ المُعْتَمَدُ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ". شَرْحُ الأَرْبَعِينَ النَّوَوِيَّةِ لصَالِح آلِ الشَّيخِ (ص: ٩٣).
قُلْتُ: وَبِنَحْوِهِ يَقُولُ الشَّيخُ الأَلْبَانِيُّ ﵀، وَذَلِكَ لِأَنَّ الدَّلِيلَ المَادِّيَّ دَلَّ عَلَى كُفْرِهِ بَاطِنًا حَيثُ لَمْ يَرْضَ بِالصَّلَاةِ وَلَو قُتِلَ! أَفَادَهُ ﵀ فِي أَشْرِطَةِ سِلْسِلَةِ الهُدَى وَالنُّورِ (شَرِيط رَقَم: ٣٩٤).
وَقَالَ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀: "قُلْتُ: تَارِكُ الصَّلَاةِ اخْتُلِفَ فِيهِ، فَذَهَبَ أَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ وَبَعْضُ المَالِكِيَّةِ وَمِنَ الشَّافِعِيَّةِ ابْنُ خُزَيمَةَ وَأَبُو الطَّيِّبِ بْنُ سَلَمَةَ وَأَبُو عُبَيدِ بْنُ جوَيرِيَةَ وَمَنْصُورٌ الفَقِيهُ وَأَبُو جَعْفَرٍ التِّرْمِذِيُّ إِلَى أَنَّهُ يُكَفَّرُ بِذَلِكَ وَلَو لَمْ يَجْحَدْ وُجُوبَهَا، وَذَهَبَ الجُمْهُورُ إِلَى أَنَّهُ يُقْتَلُ حَدًّا، وَذَهَبَ الحَنَفِيَّةُ وَوَافَقَهُمُ المُزَنِيُّ إِلَى أَنَّهُ لَا يُكَفَّرُ وَلَا يُقْتَلُ، وَمِنْ أَقْوَى مَا يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى عَدَمِ كُفْرِهِ حَدِيثُ عُبَادَةَ رَفَعَهُ «خَمْسُ صَلَوَاتٍ كَتَبَهُنَّ اللهُ عَلَى العِبَادِ» الحَدِيثَ، وَفِيهِ «وَمَنْ لَمْ يَاتِ بِهِنَّ؛ فَلَيسَ لَهُ عِنْدَ اللهِ عَهْدٌ؛ إِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ وَإِنْ شَاءَ أَدْخَلَهُ الجَنَّةَ». أَخْرَجَهُ مَالِكٌ وَأَصْحَابُ السُّنَنِ وَصَحَحَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَابْنُ السَّكَنِ وَغَيرُهُمَا، وَتَمَسَّكَ أَحْمَدُ وَمَنْ وَافَقَهُ بِظَوَاهِرِ أَحَادِيثَ وَرَدَتْ بِتَكْفِيرِهِ، وَحَمَلَهَا مَنْ خَالَفَهُمْ عَلَى المُسْتَحِلِّ، جَمْعًا بَينَ الأَخْبَارِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَالَ ابْنُ دَقِيقٍ العِيد ﵀: وَأَرَادَ بَعْضُ مَنْ أَدْرَكْنَا زَمَانَهُ أَنْ يُزِيلَ الإِشْكَالَ؛ فَاسْتَدَلَّ بِحَدِيثِ «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ»، وَوَجْهُ الدَّلِيلِ مِنْهُ أَنَّهُ وَقَفَ العِصْمَةَ عَلَى المَجْمُوعِ، وَالمُرَتَّبُ عَلَى أَشْيَاءَ لَا يَحْصُلُ إِلَّا بِحُصُولِ مَجْمُوعِهَا وَيَنْتَفِي بِانْتِفَاءِ بَعْضِهَا. قَالَ: وَهَذَا إِنْ قَصَدَ الِاسْتِدْلَالَ بِمَنْطُوقِهِ وَهُوَ (أُقَاتِلُ النَّاسَ) إِلَخْ؛ فَإِنَّهُ يَقْتَضِي الأَمْرَ بِالقِتَالِ إِلَى هَذِهِ الغَايَةِ؛ فَقَدْ ذَهِلَ لِلْفَرْقِ بَينَ المُقَاتَلَةِ عَلَى الشَّيءِ وَالقَتْلِ عَلَيهِ، فَإِنَّ المُقَاتَلَةَ مُفَاعَلَةٌ تَقْتَضِي الحُصُولَ مِنَ الجَانِبَينِ، فَلَا يَلْزَمُ مِنْ إِبَاحَةِ المُقَاتَلَةِ عَلَى الصَّلَاةِ إِبَاحَةُ قَتْلِ المُمْتَنِعِ مِنْ فِعْلِهَا إِذَا لَمْ يُقَاتِلْ. وَلَيسَ النِّزَاعُ فِي أَنَّ قَومًا لَو تَرَكُوا الصَّلَاةَ وَنَصَبُوا القِتَالَ أَنَّهُ يَجِبُ قِتَالُهُمْ! وَإِنَّمَا النَّظَرُ فِيمَا إِذَا تَرَكَهَا إِنْسَانٌ مِنْ غَيرِ نَصْبِ قِتَالٍ هَل يُقْتَلُ أَو لَا؟ وَالفَرْقُ بَينَ المُقَاتَلَةِ عَلَى الشَّيءِ وَالقَتْلِ عَلَيهِ ظَاهِرٌ". فَتْحُ البَارِي (١٢/ ٢٠٣).
1 / 52