في شرفة فندق «التاج محل» انحنى الجرسون الهندي واضعا أمامنا صينية الشاي، وجه أسمر من تحت عمامة ضخمة بيضاء، أسنان تلمع كالفضة، وإبريق الشاي من الفضة أيضا مزين بنقوش إسلامية مغولية.
هواء البحر يملؤني برائحة اليود وحنين لبحر الإسكندرية وأحلام الطفولة، أصوات الغناء والرقص والموسيقى تتصاعد مع رائحة البخور الهندية والصندل المحروق والند، وفي أعماقي تستيقظ مشاعر أو غرائز قديمة نامت مع الزمن أو ربما ماتت منذ عصور مصر القديمة، أنهض واقفة وأحرك ساقي وذراعي في الهواء وأندهش، فهي الحركة نفسها التي يؤديها الإله شيفا مع اختلاف واحد، هو له أربع أذرع وأنا ليس لي إلا ذراعان.
ضحك صديقي الهندي «شاندري» بصوت خافت أو بلا صوت، شهقة أشبه بالشهيق العميق أو الزفير الطويل، وهزة رأس لم أعرف منها أيقول نعم أم لا، لكن أسنانه البيضاء أضاءت وجهه الأسمر بابتسامة ورشف الشاي بصوت عال، وقال بصوت خافت: قدماء المصريين كانوا يرقصون مثلنا؛ وذلك لأننا الهنود ...
وقاطعته قبل أن يدخل في حديث طويل عن الهنود وحضارتهم التي يؤمن أنها أقدم من حضارة المصريين، وقلت ضاحكة: ربما اكتشف الإله «شيفا» الرقص، لكن الإلهة «إيزيس» اكتشفت الحكمة والعقل.
هو أستاذ للتاريخ في جامعة بومباي، ولا يمكن أن يكف عن الحديث إلا إذا قاطعه أحد.
وقال وهو يرشق «البايب» في زاوية فمه وفوهتها ناحيتي: أرجوك دعيني أشرح لك الموضوع منذ بدايته؛ لأن ...
وقلت وأنا أطرد الدخان المتصاعد من أنفه وفمه: أرجوك لا أستطيع أن أتابع حديثك وأصوات الموسيقى والرقص تملأ الكون، انظر هؤلاء الناس الذين تجمعوا بالآلاف!
وقال: إنه عيد الإله جانيش.
وقلت: هيا نشترك معهم في الرقص؛ فأنا لا أستطيع أن أقاوم عدوى الفرح والبهجة بالحياة خاصة إذا كانت جماعية.
هبطنا إلى الشارع، مهرجان من الألوان والألحان والرقصات، رجال ونساء وأطفال يملئون الشارع ويمتدون على الشاطئ حتى البوابة الضخمة المفتوحة على المحيط، بوابة بومباي الشهيرة تشبه قوس النصر على رأس «الشانزليزيه» في باريس. لكنها هنا لا ترمز إلى النصر، لقد بنيت هذه البوابة من أجل أن يمر من تحتها ملك بريطانيا (جورج الخامس) في أول زيارة له للهند سنة 1911، بوابة بنيت كالكوبري الحجري الضخم ليمر الملك الإنجليزي من تحتها.
صفحه نامشخص