أيها السادة:
إن الأمم التي لا ماضي لها تخترع لها ماضيًا، لأن حاضر الأمة وليدُ ماضيها وهو الذي يلد مستقبلها. فهل نهمل نحن ماضينا العظيم؟ إن أعداءنا يتعمدون إهمال ماضينا، أفنعين أعداءنا على أنفسنا؟ أعداؤنا اصطلحوا على أن يطمسوا صفحة تاريخنا من تاريخ الحضارة الإنسانية، فتراهم في كلياتهم يُقرؤون الطلابَ تاريخ العلوم من أيام اليونان والرومان، ثم يتخطّون ما فعلنا نحن فينتقلون إلى عهد النهضة رأسًا. وفي الكليات العسكرية يتخطون عمدًا صفحة أمجادنا مع أنها أروع صفحة في تاريخ الأمجاد العسكرية.
اعذروني أن أتكلم في الفن العسكري أمام كبار القادة العسكريين، فأنا مولع بكتب التاريخ من صغري أقرأ كل ما يقع تحت يدي منها، وأستطيع أن أقول إن المعجزة الكبرى في التاريخ العسكري للأمم كلها هي الفتح الإسلامي.
قد يقول قائل: إن الإسكندر فتح بلادًا ربما بلغت ما فتحه المسلمون، وكذلك جنكيز خان وتيمور لنك ونابليون وهتلر، ولكن الفرق بين هؤلاء جميعًا وبين الفتح الإسلامي أن فتح هؤلاء القادة كان فتحًا عسكريًا قام على القهر وبقي فيه غالبٌ ومغلوب، بقي الغالب يقظًا محترسًا وبقي المغلوب متربصًا متحفزًا للأخذ بالثأر. أما الفتح الإسلامي فهو عجيب في طبيعته.
انظروا إلى البلدان التي فتحناها. لقد فتحنا بلاد الشام، فأين في بلاد الشام الآن الغالبون وأين المغلوبون؟ فتحنا هذه البلاد