نور وهداية
نور وهداية
ناشر
دار المنارة للنشر والتوزيع
ویراست
الثانية
سال انتشار
١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٩ م
محل انتشار
جدة - المملكة العربية السعودية
علي الطنطاوي
نور وهداية
جمع وترتيب حفيد المؤلف
مجاهد مأمون ديرانية
دار المنار
للنشر والتوزيع
1 / 3
حقوق الطبع محفوظة
يُمنَع نقل أو تخزين أو إعادة إنتاج أي جزء من هذا الكتاب بأي شكل أو بأية وسيلة: تصويرية أو تسجيلية أو إلكترونية أو غير ذلك إلا بإذن خطي مسبق من الناشر
الطبعة الثانية
٢٠٠٩
دار المنار
للنشر والتوزيع
ص ب ١٢٥٠ جدة ٢١٤٣١ المملكة العربية السعودية
هاتف ٦٦٠٣٦٥٢ فاكس ٦٦٠٣٢٣٨ المستودع ٦٦٧٥٨٦٤
البريد الإلكتروني: books@daralmanara.com
1 / 4
مقدمة
هذا هو الكتاب الخامس الذي وفق الله إلى جمعه مما تركه علي الطنطاوي منثورًا غيرَ منشور من مقالات وأحاديث، بعضها قرأه الناس ذات يوم في مجلة أو صحيفة، ثم طوى المجلةَ أو الصحيفةَ النسيانُ وغابت المقالةُ عن عين كل إنسان، وبعضها سمعه الناس ذات يوم مُذاعًا من دمشق أو من مكة من إذاعة صوت الإسلام، ثم أنسى الناسَ هذه الأحاديثَ بُعْدُ العهدِ وذهب بها كَرُّ الأيام.
وإني لأرجو أن ينفع الله بهذا الكتاب وأن يجعله -بكرمه- من الصدقة الجارية لمؤلفه ﵀. ولقد وفق الله فجاء على غير سابق خطة، فقد علمتم (أو علم منكم من قرأ مقدمة الجزء الثاني من «مقالات في كلمات») أن جدّي ﵀ كانت بين يديه كتب يعتزم نشرها، يجمع فيها مقالات من مقالاته التي نشرها في بعض الصحف والمجلات ثم لم تجد طريقها إلى أيٍّ من كتبه المنشورة، ثم طال به الزمن وضَعُفت الهمّة وتبعثرت المقالات ولم تصدر الكتب.
فلما جئت أجمعها من جديد وجدت مقالات لم يُشِرْ إليها ولم يقترح إدراجها في أي من الكتب التي اعتزم نشرها، ووجدت
1 / 5
أيضًا أوراقًا كثيرة تضم مدوَّنات أو مسوَّدات لأحاديث إذاعية (يوم كان يكتب أحاديثه)، بعضها مجموع وبعضها مفرَّق. فاشتغلت أسابيع في فرز هذه الأوراق وضمّ الأمثال إلى الأمثال، حتى اكتملت بين يديّ مقالاتٌ وأحاديثُ كاملاتٌ أو شبهُ كاملات، ثم أنفقت أسابيع أُخَر في فرز هذه الأحاديث والمقالات، حتى انتهيت أخيرًا إلى جمع كتب كاملة هذا أوّلها، وهو واحد من ثلاثة كتب ستصدر تِباعًا واحدًا بعد واحد إن شاء الله، وزّعت فيها المقالات الإسلامية. أولها هذا الذي سرقتُ اسمه من برنامج الشيخ الأشهر، والثاني سمّيته «فصول في الدعوة والإصلاح»، واسمه يدلّ عليه، وسمّيت الثالث «مباحث إسلامية» وجعلت فيه الموضوعات الفقهية والمسائل العلمية التي لا تدخل في باب الدعوة العامة.
* * *
ولسوف يجد القارئ تشابهًا في الأفكار أو في الأمثلة في بعض فصول هذا الكتاب، والعذر أنها مقالات كُتبت أو أحاديث أذيعت في أزمنة متباعدات. بل إن الشيخ نفسه قد أدرك أن كثرة الحديث تضطره إلى تكرار المثال؛ فاعتذر من ذلك فقال في واحدة من مقالات هذا الكتاب: "وأنا أعتذر إلى القراء من ذكر مثل سأسوقه كنت قد ذكرته من قبل، وعذري أن من المعاني ما لا بد من تكراره لتكرر مناسباته، وأنا أكتب من خمس وثلاثين سنة وأخوض في موضوعات كنت خضت فيها من قبل، فآتي بما كان القراء قرؤوا لي مثله".
1 / 6
ولقد ترددت أمام كل مقالة فيها شيء من التكرار في الفكرة أو في المثال: أأحذفها أم أبقيها؟ ثم أبقيتها ما دمت قد وجدت فيها طرحًا جديدًا أو عرضًا مفيدًا تمتاز به من المقالات الأخريات. على أني استبعدت ما كان أقرب إلى التكرار الكامل، وقد ضحيت -من أجل ذلك- بالكثير.
* * *
وبعد، فبعد شهرين يُتِمّ جدي سبعَ سنين من رحلته إلى عالَم الآخرة، أسأل الله له الرحمة، وأسأله أن يثيبه بهذا الكتاب نورًا في قبره مثل النور الذي أراد أن ينشره بين الناس، حين لبث من عمره سنين وسنين وهو يحدّثهم حديث «النور والهداية» من رائي المملكة، ويجيب عن «مسائلهم» ويحل «مشكلاتهم» من إذاعتها.
وإني لأحسّ وأنا أقدم هذا الكتاب بالخجل من جدّي ﵀ ومن القرّاء؛ إذ أنظر فأرى ما بقي أمامي مما لم أصنع أكثرَ مما صنعت، والسنواتُ تمضي سِراعًا وأنا أدبّ دبيب السلحفاة، لا أكاد أتم في العام كتابًا أو بعض كتاب. فمتى أنهي الكتب كلها وأضعها بين أيدي الناس؟
فأنا أعتذر من جدّي الذي لم أوفِّه من حقه وفضله عليّ إلا أقل القليل، وأعتذر من القراء الذين صبروا على ضعفي وبطء سَيري، وأعتذر من زوج خالتي، نادر حتاحت، الذي ينشر هذا الكتاب كما نشر سائر كتب الشيخ، فوصل بِرَّه به ميتًا ببِرّه به حيًا حين كان له كما يكون الولد للوالد. أعتذر منه وأحمد له صبره
1 / 7
عليّ، فما أكثر ما وعدته بالكتب وما أقل ما وفيت بالوعد! أرجو أن يسامحني الله وأن لا يجعلني في زمرة المنافقين الذين حدّثنا نبيه المعصوم ﷺ أنهم يَعِدون فيُخلفون!
هذا اعتذاري أضعه بين أيدي القرّاء راجيًا أن يقبلوه، أما عذري فأبقيته لنفسي ولم أبسطه لأحد من الناس، وماذا يفيدني أن يعرفه الناس والوقت لا يُهدى ولا يوهَب ولا يُعار ولا يُباع؟
فحسبي أن يدعو لي كل محب بأن يبارك الله لي في وقتي. وإنْ ألهمَ الله قارئًا يقرأ هذه الكلمات فسأل الله مخلصًا أن ييسّر لي إنجاز ما بقي وأن يطويَ بين يديّ صفحات الكتب الآتيات، فعسى أن يجعله الله شريكًا في الأجر، وأن لا يحرمني منه، والله أكرم الأكرمين.
مجاهد مأمون ديرانية
جدة: ربيع الأول ١٤٢٧
1 / 8
موسم العبادة
حديث أذيع من دمشق سنة ١٩٥٩
يا أيها السامعون، إن للزراعة مواسم، وإن للتجارة مواسم، وإن للمدارس مواسم. فإذا جاء موسم الزرع شمّر الزارع عن ساقه فحرث وبذر وجدّ ودأب، وإذا جاء موسم البيع عرض التاجر بضاعته وأقام عليها نهاره ووضع في ترويجها ذهنه ويده، وإذا جاء موسم الامتحان ترك التلميذ لهوه وسهر ليله وعكف على كتابه.
ورمضان هو موسم العبادة للمؤمنين.
وإذا كان الزارع يُتعب نفسه في الحرث والبَذر أملًا بيوم الحصاد، فإن الدنيا مزرعة الآخرة، فازرعوا فيها من الصالحات لتحصدوا ثمرتها حسنات يوم يقوم الحساب.
وإذا كان التاجر يكدّ ويدأب ليربح المال وينجو من الضيق والخسار، فهذه هي التجارة المربحة: ﴿يَا أيُّها الذينَ آمَنُوا هَلْ أدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجيكُم مِنْ عَذَابٍ أَليم؟ تُؤمِنونَ بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَتُجاهِدُونَ في سَبيلِ اللهِ بِأمْوالِكُمْ وَأنْفُسِكُم؛ ذلِكُمْ خَيرٌ لَكُمْ إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمون. يَغْفِرْ لَكُم ذُنوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُم جَنّاتٍ تَجري مِن تَحْتِها الأنْهارُ وَمَساكِنَ طَيّبةً في جَنّاتِ عَدْنٍ، ذلِكَ الفَوْزُ العَظيمُ. وأُخْرى
1 / 9
تُحِبّونَها: نَصْرٌ مِنَ اللهِ وَفَتْحٌ قَريبٌ، وَبَشِّرِ المُؤمِنين﴾.
وإذا كان التلميذ يدرس خوفًا من السقوط يوم الامتحان والفضيحة بين الرفاق، فإن الامتحان الأكبر أمامنا. هذا امتحانٌ غايةُ الخسارة فيه أن يضيع التلميذ سنة ثم يعود فيُصلح ما أفسد ويتدارك ما ضيّع، وذلك امتحان تُعلَن النتائج فيه على رؤوس الخلائق جميعًا فيسمعها الجن والإنس، ينادي المنادي أن لقد نجح فلان ابن فلان، فتتلقّاه ملائكة الرحمة بالرعاية والإكرام إلى دار النعيم المقيم، وقد سقط فلان ابن فلان، فتتسلمه زبانية النار بالشدة والهوان إلى دار العذاب الدائم.
وهنالك الخسارة الحق: ﴿قُلْ إنَّ الخَاسِرينَ الذينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُم وَأَهْليهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ، أَلا ذلِكَ هُوَ الخُسْرانُ المُبينُ. لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النّارِ، وَمِنْ تَحْتِهِم ظُلَلٌ، ذلِكَ يُخَوِّفُ اللهُ بِهِ عِبادَهُ، يَا عِبادي فَاتَّقُونِ﴾.
هل تعرفون ما معنى «اتقوا»؟ إنكم تقولونها دائمًا وتسمعونها دائمًا، وكثير منكم لا يعرف معناها. كلمة «اتّقوا» من «الوقاية»؛ يُقال: اتّقى فلانٌ البردَ بالمعطف، أي اتخذه وِقايةً منه، واتقى الفارسُ الطعنةَ بالتّرس، أي وَقَى به نفسَه. فاتقوا الله معناها: قُوا أنفسَكم من عقابه.
فبماذا نتقي عذاب الله؟
بالقرآن. ورمضان الذي أُنزل فيه القرآن أحق الشهور بتلاوته وتدبّره والإقبال عليه. وفي الحديث الصحيح المشهور: «ما اجتمع قومٌ في بيت من بيوت الله يتلون كتابَ الله ويَتَدارسونه بينهم إلاّ
1 / 10
نَزلت عليهم السَّكينةُ، وَغَشِيَتهم الرحمة، وحفّتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده» (١).
أفلا تحبّون أن تنزل السكينة على قلوبكم وأن تستشعروا الطمأنينة وأن تتخلصوا من الهمّ والقلق والاضطراب؟ إذن فاتلوا القرآن وتدارسوه.
أوَلا تحبّون أن تغشاكم الرحمة من الله؟ ومَن غشيته رحمة الله فقد نال كل خير ونأى عنه كل ضرر وكل ألم. إذن فاتلوا القرآن وتدارسوه.
أوَلا تحبّون أن يكون جلساؤكم الملائكة، هل أشرفُ من هؤلاء الجُلَساء؟ وأن يُطرَد من حولكم الشياطين: شياطين الإنس وشياطين الجن؟ إذن فاتلوا القرآن وتدارسوه.
أوَلا ترون الناس يحرصون على الشهرة وعلى ذيوع الاسم؟ إن غاية ما يتمنّونه أن يعرفهم أهل الأرض. وما هذه الأرض بالنسبة إلى هذا الكون الواسع؟ والذين يتلون القرآن ويتدارسونه يعرفهم أهل الملأ الأعلى وتصل أخبارهم إلى مَن في السماوات ويذكرهم الله فيمَن عنده. أفلا تريدون أن تنالوا هذا الشرف الذي لا شرف بعده؟ إذن فاتلوا القرآن وتدارسوه.
* * *
إن ليالي رمضان -يا سادة- هي مواسم الزَّرْع لِمَن أراد أن يزرع للآخرة، وهي مواسم التجارة لمن أراد الربح الباقي في الآخرة، وهي مواسم الاستعداد للامتحان لمن أراد أن ينجح في
(١) أخرجه مسلم والترمذي وأبو داود وابن ماجه وأحمد (مجاهد).
1 / 11
الامتحان الأعظم في الآخرة.
ولكن الغافلين المساكين الذين أُصيبوا بقِصَر النّظر فلا يرون إلا ما بين أيديهم، يحسبون أن حياة الإنسان هي هذه الأيام التي يقضيها في الدنيا، ولو وضع على عينيه نظارات الشرع -لمداواة ما به من قِصَر النظر- لرأى أن الطريق أمامه طويل، وأن السفر بعيد، وأن هذه الحياة الدنيا مرحلةٌ من مراحل العمر ليست هي العمر.
إننا كركب مسافرين يقطعون ما بين المشرق والمغرب نزلوا ساعة يستريحون، فالأحمق يحسب أن الطريق انتهى، فيأكل زاده ويسّيب دابته ولا يعد العدّة للمسير، فإذا قامت القافلة ومشت تخلّف عنها أو ضلّ في البادية أو مات من الجوع. والعاقل من يعلم أن عليه أن يُريح راحلتَه ويَعْلِفها ليقطع الطريق عليها، ويوفّر زادَه ليكفيه أيام الرحلة.
وما هذه الحياة؟ ما مدتها؟ سبعون سنة، مئة سنة، مئة وخمسون؟ هل يعيش أحدٌ أكثرَ من مئة وخمسين سنة؟ وما مئة وخمسون بالنسبة إلى الآخرة؟ بل هَبوه عاش عمر نوح، قريبًا من ألف سنة، فما ألف سنة؟ إنها كيوم واحد من أيام الآخرة، بل إن في الآخرة يومًا مقداره خمسون ألف سنة!
فأين نحن من ذكر الآخرة؟ لقد نسيناها وشغلتنا عنها تُرّهات الدنيا وهموم العيش والتقاتل على حطام فانٍ لا يبقى منه بعد الموت شيء. إننا نرى الأموات تمرّ بنا مواكبهُم كلَّ يوم، ولكنّا نظن أن الموت كُتِب على الناس كلهم إلا علينا، ونبصر القبور تملأ الأرض ولا نفكر أننا سننزل يومًا إلى القبر.
1 / 12