نور البراهين

نور البراهين

ویرایشگر

السيد مهدي الرجائي

ویراست

الأولى

سال انتشار

۱۴۱۷ ه.ق

•
امپراتوری‌ها و عصرها
عثمانیان
صفویان

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي دل على ذاته بذاته وتنزه عن مجانسة مخلوقاته، وأرشد العباد إلى توحيده بالبراهين القاطعة والآيات الساطعة، وبعث الأنبياء وأرسل الرسل لتعليم الناس وتزكيتهم، فبينوا طرق الهدى من طرق الضلال، وبشروا بالنعيم المقيم، وحذروا من العذاب الأليم، والصلاة والسلام على من ختمت بشريعته الشرائع وبنبوته النبوات أبي القاسم محمد المصطفى، وعلى أهل بيته أئمة الحق وسادة الخلق، واللعنة الدائمة على أعدائهم أجمعين إلى قيام يوم الدين.

وبعد، فمن دواعي افتخار هذه الأمة المرحومة أن من الله عليها فجعلها من أتباع أقرب الخلق إليه منزلة وأشرفهم مرتبة وأعلاهم قدرا وأحوطهم علما، تراجمة وحيه وخزان علمه، نعني محمدا وأهل بيته الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا، فجرت ينابيع الحكمة على ألسنتهم، ونطقت بدلائل العصمة سيرتهم في حياتهم، وانطوت على أسرار المبدأ والمعاد وحقائق الملك والملكوت كلماتهم وبياناتهم، فأتموا الحجة وأزاحوا دواعي الظلمة، فلله درهم من سادة ميامين وهداة صادقين، وعلى الله جزيل أجرهم.

ومن نعم الله أيضا على هذه الأمة أن هيأ لها في كل عصر وزمان رجالا بلغوا في العلم والمعرفة مرتبة وفي الشرف والفضيلة منزلة تمكنوا من خلالها فهم كلام

صفحه ۳

أهل بيت العصمة وكشف أسراره ومعانيه وحل ألغازه ومعرفة مبانيه، فكتبوا الكثير وسطروا الطوامير في شرح الاخبار وتأويلها وتفسيرها فكانوا خير حلقة وصل بين أئمتهم وبين شيعتهم، جزاهما الله عنهما خير الجزاء.

ومن أولئك الاعلام الذين اشتهر فضلهم وعم خيرهم وشهد لهم بالفهم والتدقيق أرباب العلم والتحقيق المحدث الخبير المرحوم السيد نعمة الله الجزائري عمه ربه بشآبيب المغفرة والرضوان الذي وظف حياته في خدمة تراث أجداده الميامين، ألف الكثير فأبدع وأحسن، وكتب في مختلف العلوم والفنون فأجاد وأتقن، وخيره وبركاته وفيضه أشهر من نار على علم.

والكتاب الماثل بين يديك - عزيزنا القارئ - واحد من المسطورات المهمة التي جادت بها أنامل هذا الحبر الجليل ويعد من أنفع ما كتب في شرح كتاب التوحيد للشيخ الصدوق رضوان الله عليه. وسماه ب‍ (نور البراهين في بيان أخبار السادة الطاهرين) أو (أنيس الوحيد في شرح التوحيد).

وتخليدا لجهود علمائنا الأبرار وتعريضا بعطائهم الثر تصدرت مؤسستنا لطبع هذا الكتاب ونشره شاكرين لفضيلة حجة الاسلام السيد مهدي الرجائي حفظه الله جهوده ومساعيه المبذولة في سبيل تحقيق هذا الكتاب، نفعه الله به وأرضاه وجعله ذخرا له ولنا يوم نلقاه، إنه خير موفق ومعين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

مؤسسة النشر الاسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرفة

صفحه ۴

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة على خير خلقه وأفضل بريته محمد وآله الطيبين الطاهرين المعصومين. قد اتجه علماء الشيعة اتجاها ملحوظا في جميع الميادين العلمية منذ أقدم عصورهم، وامتد نشاطهم وحركتهم الفكرية إلى كل ما كان هناك من علوم معروفة، وشمل نشاطهم إلى جانب الفقه وأصوله الكلام وعلوم القرآن واللغة والأدب، ونجد هذا النشاط بارزا على مؤلفاتهم الكثيرة التي تعكس اتجاههم العلمي ونشاطهم الفكري.

ومن الواجب علينا أن لا ننسى لهم ما قاموا به من الادوار الكبيرة في الحركة الثقافية في الأحقاب الاسلامية الماضية، وما نالوها من الابتلاءات والمصائب الفجيعة في حفظ هذه الحركة المباركة.

انه لمن المدهش حقا أن نجد كثيرا من مفكري الشيعة وعلمائهم قد سبقوا عصورهم بأجيال بمعلوماتهم ونظرياتهم وآثارهم، وتركوا حقائق علمية مثيرة.

ومن علماء الشيعة الذين برزوا في هذه الميادين العلمية والعملية والاجتماعية هو المحدث الجليل والفقيه المحقق العارف بأساليب الاخبار السيد نعمة الله الجزائري أسكنه الله بحبوحات جناته، وجزاه الله عن الاسلام وأهله خير الجزاء.

اسمه ونسبه:

هو السيد نعمة الله الحسيني الموسوي الجزائري ابن السيد عبد الله بن السيد محمد ابن السيد حسين بن السيد أحمد بن السيد محمود بن السيد غياث الدين بن السيد مجد

صفحه ۵

الدين بن السيد نور الدين بن السيد سعد الدين بن السيد عيسى بن السيد موسى بن السيد عبد الله بن الإمام موسى الكاظم عليه السلام.

هكذا أورد المترجم نسبه الشريف في كتابه الأنوار النعمانية (1: 380).

وقال حفيده العلامة السيد عبد الله الجزائري في الإجازة الكبيرة [ص 77] وقد رأيت صورة نسبه بخطه في موضعين هكذا، ثم سرد النسب كما هنا.

وقال المحدث النوري في المستدرك [3: 404]: وكان بعض أجداده يلقب بشمس الدين قال السيد في المقامات: وأما جدنا صاحب الكرامات السيد شمس الدين قدس الله روحه، فكان له ثور يرعى بعيدا من البيوت وأتاه السبع وافترسه لكنه وقف عنده ولم يأكل منه شيئا، فأخبروا جدنا، فأخذ الحبل الذي كان يربط به الثور وأتى معه إلى الأسد فقصده ووضع الحبل في رقبته وقاده إلى منزله والناس متحيرون، وربطه عنده تلك الليلة وقال: أتخذه للحرث عوضا عن ثوري، فقال له الجيران: هذا لا يصير لأنا نخاف منه، فحينئذ أرسله من يده حتى قال بعض الشعراء في مدح أولاده:

سادة حسينيين أهل التقى والدين أولاد شمس الدين جاب السبع ثوره الثور يا سادة السبع ما رواه والناس شهادة غياب وحضوره الاطراء عليه:

قال شيخه الجليل العلامة المجلسي في اجازته له: السيد الأيد، الحبيب اللبيب، الأديب الأريب، الفاضل الكامل، المحقق المدقق، جامع فنون العلم وأصناف السعادات، حائز قصبات السبق في مضامير الكمالات، الأخ الوفي، والصاحب الرضي، السيد نعمة الله الحسيني الجزائري، رزقه الله الوصول إلى أعلى مدارج المتقين، واقتفاء آبائه الطاهرين، فاستجازني تأسيا بسلفنا الصالحين، ولينظم بذلك في سلك رواة أخبار أئمة الدين سلام الله عليهم أجمعين، وكان ذلك بعد أن بلغ الغاية القصوى في الدراية، ورقى العلوم ومناكبها، ورمى بأرواقه عن مراكبها، وعقدت لإفادته المجالس، وغصت بمواعظه المحافل والمدارس، وصنف في أكثر العلوم الدينية والمعارف

صفحه ۶

اليقينية مصنفات رائقة، يسطع منها أنوار الفضل والعرفان.

وقال شيخه المحدث الحر العاملي في أمل الآمل [2: 326]: فاضل، عالم، محقق، علامة، جليل القدر، مدرس من المعاصرين.

وقال المولى الميرزا عبد الله الأفندي في رياض العلماء [5: 253]: فقيه، محدث، أديب، متكلم، معاصر، ظريف، مدرس، والآن هو شيخ الاسلام من قبل السلطان بتستر.

وقال الفقيه المحدث الشيخ يوسف البحراني في لؤلؤة البحرين [ص 111]: كان هذا السيد فاضلا، محدثا، مدققا، واسع الدائرة في الاطلاع على أخبار الامامية وتتبع الآثار المعصومية الخ .

وقال حفيده العلامة السيد عبد الله الجزائري في الإجازة الكبيرة [ص 70]:

المتبحر الجليل النبيل، المشهور ذكره في الآفاق، المشهود بفضله على الاطلاق، وكان من مبدأ نشوئه إلى آخر عمره مولعا بطلب العلم ونشره وترويجه، كدودا لا يفتر عنه ولا يميل، وكان في أسفاره يستصحب ما يقدر عليه من الكتب، فإذا نزلت القافلة وضعها واشتغل بها إلى وقت الرحيل، وربما كان يأخذ الكتاب بيده يطالع فيه وهو راكب في المسير.

ثم قال: انتقل إلى تستر وأقام بها ووقع من نفوس أهلها أعظم موقع، ونشر فيها العلوم الشرعية، وقنن محاسن الشرع - وكانت مهجورة فيها منذ زمن الشيخ عبد اللطيف الجامعي - وحث الناس على بناء المساجد وأداء الجماعات والجمعات، وتصدى للأمور الحسبية على أكمل نظام، وجميع ما يوجد إلى الآن من الرسوم والآداب الشرعية في هذه البلدة فإنما هي من بقايا آثاره، وجميع من نشأ بعده من العلماء والمشتغلين وأئمة المساجد والوعاظ والمتهذبين فهم من تلامذته وأتباعه ولو بالواسطة.

وقال المحقق الشيخ أسد الله التستري في مقابس الأنوار [ص 17]: السيد السند، والركن المعتمد، الفقيه الوجيه، المحدث النبيه، المحقق النحرير، المدقق العزيز النظير، واسع العلم والفضل، جليل القدر والمحل، سلالة الأئمة الأبرار، والد الأماجد الأعاظم الأكارم الأخيار والأكابر المنتشرين نسلا بعد نسل في الأقطار والأمصار، العلامة الفهامة، التقى الرضي السري.

وقال العلامة الخوانساري في روضات الجنات [8: 150]: السيد السند المعتمد

صفحه ۷

الجليل الأواه نعمة الله.... كان من أعاظم علمائنا المتأخرين، وأفاخم فضلائنا المتبحرين، واحد عصره في العربية والأدب والفقه والحديث، وأخذ حظه من المعارف الربانية بحثه الأكيد وكده الحثيث، لم يعهد مثله في كثرة القراءة على أساتيد الفنون، ولا في كسبه الفضائل من أطراف الخزون بأصناف الشجون. كان مع مشرب الاخبارية كثير الاعتناء والاعتداد بأرباب الاجتهاد، وناصر مذهبهم في مقام المقابلة منهم بأصحاب العناد وأعوان الفساد، صاحب قلب سليم، ووجه وسيم، وطبع مستقيم، ومؤلفات مليحة، ومستطرفات في السير والآداب والنصيحة، ونوادر غريبة في الغاية، وجواهر من أساطير أهل الرواية.

إلى غير ذلك من اطراء أصحاب المعاجم وأرباب التراجم، ولقد وصفوه وأثنوا عليه جميل الثناء، واكتفينا بهذا النزر القليل من الاطراء عليه، وفيه كفاية لمن له قلب سليم.

سير في حياة المؤلف بقلمه الشريف:

قد كتب المترجم قدس سره نبذة من حياته العلمية والاجتماعية وعن بدو تحصيله، وقاصي فيه المشقات الشديدة والعقبات الهائلة حتى حاز أعلى مرتبة الكمال والسعادة في الدارين، وها هو شأن علمائنا العاملين والذين حازوا المكانة العلمية والاجتماعية في المجتمع الثقافي، وما بلغوها الا بالمصائب المؤلمة والابتلاءات الشاقة والأهوال الفجيعة، وأنا أذكر هنا نص ما كتبه المترجم عن حياته، وقد ترجمه المحقق الخبير الشيخ التنكابني في خاتمة كتابه قصص العلماء باللغة الفارسية، واليك نص ما كتبه المترجم في خاتمة كتابه أنوار النعمانية:

إعلم أطال الله بقاك أن مولد الفقير هو سنة خمسين بعد الألف، وسنة تأليف هذا الكتاب هي السنة التاسعة والثمانون بعد الألف، فهذا العمر القليل قد مضى منه تسعة وثلاثون سنة، فانظر إلى ما أصاب صاحبه من المصائب والأهوال.

ومجمل الأحوال هو أنه لما مضى من أيام الولادة خمس سنين، وكنت مشغوفا باللهو واللعب الذي يتداوله الأطفال، فكنت جالسا يوما مع صاحب لي ونحن في بعض لعب الصبيان إذ أقبل إلي المرحوم والدي، فقال لي يا بني امض معي إلى المعلم وتعلم الخط والكتابة حتى تبلغ درجة الاعلام، فبكيت من هذا الكلام وقلت: هذا شئ لا يكون،

صفحه ۸

فقال: لي: ان صاحبك هذا نأخذه معنا ويكون معك يقرأ عند المعلم.

فأتى بنا إلى المكتب وأجلسنا فيه، فقرأت أنا وصاحبي حروف الهجاء، فأتيت اليوم الآخر إلى والدتي وقلت لها: ما أريد المكتب بل أريد اللعب مع الصبيان، فحدثت والدي فما قبل منها، فأيست من قبوله، فقلت: ينبغي أن أجعل جدي وجهدي في الفراغ من قراءة المكتب، فما مضت أيام قلائل حتى ختمت القرآن وقرأت كثيرا من القصائد والاشعار في ذلك الوقت، وقد بلغ العمر خمس سنين وستة أشهر.

فلما فرغت من قراءة القرآن جئت إلى والدتي وطلبت منها اللعب مع الصبيان، فأقبل إلي والدي - تغمده الله برحمته - وقال لي: يا ولدي خذ كتاب الأمثلة وامض معي إلى رجل يدرسك فيها، فبكيت فأراد إهانتي وأخذني إلى رجل أعمى، لكنه كان قد أحكم معرفة الأمثلة والبصروية وبعض الزنجاني، فكان يدرسني، وكنت أقوده بالعصا وأخدمه، وبالغت في خدمته لأجل التدريس.

فلما قرأت الأمثلة والبصروية واردت قراءة الزنجاني انتقلت إلى رجل سيد من أقاربنا كان يحسن الزنجانية والكافية، فقرأت عليه وفي مدة قراءتي عنده كان يأخذني معه كل يوم إلى بستانه ويعطيني منجلا ويقول لي: يا ولدي حش هذا الحشيش لبهائمنا، فكنت أحش له وهو جالس يتلو علي صيغ الصرف والاعلال والادغام، فإذا فرغت شددت الحشيش حزمة كبيرة وحملته على رأسي إلى بيته، وكان يقول لي: لا تخبر أهلك بهذا.

فلما مضى فصل الحشيش وأقبل فصل رود الإبريسم، فكنت كل يوم أحمل له حزمة من خشب التوت حتى صار رأسي أقرع، فقال لي والدي رحمه الله: ما لرأسك؟ فقلت:

لا أعلم، فداواني حتى رجع شعر رأسي إلى حالته.

فلما فرغت من قراءة الزنجاني وأردت قراءة الكافية قصدت إلى قرية تسمى كارون، ونحن في قرية يقال لها: الصباغية في شط المدك، فقرأت في تلك القرية عند رجل فاضل وأقمت عندهم، فكنت يوما في المسجد، فدخل علينا رجل أبيض الثياب عليه عمامة كبيرة كأنها قبة صغيرة، وهو يرى الناس أنه رجل عالم، فتقدمت إليه وسألته بصيغة من صيغ الصرف، فلم يرد الجواب وتلجلج، فقلت له: إذا كنت لا تعرف هذه الصيغة فكيف وضعت على رأسك هذه العمامة الكبيرة؟ فضحك الحاضرون وقام الرجل من ساعته وهذا هو الذي شجعني على حفظ صيغ الصرف وقواعده، وأنا أستغفر

صفحه ۹

الله من سؤال ذلك الرجل المؤمن، لكني أحمد الله على وقوع ذلك قبل البلوغ والتكاليف، فبقيت هناك كم من شهر ومضيت إلى شط يقال له: نهر عنتر، لأني سمعت أن به رجلا عالما وقد كان أخي المرحوم المغفور الفاضل الصالح الورع السيد نجم الدين يقرأ عنده.

فلما وصلت إليه لقيت أخي راجعا من عنده، فرجعت معه إلى قريتنا، ثم قصدت قرية يقال لها: شط بني أسد للقراءة على رجل عالم كان فيها، فبقيت هناك مدة مديدة، ثم رجعت إلى قريتنا، فمضى أخي المرحوم وكان أكبر مني إلى الحويزة، فقلت لوالدي:

اني أريد السفر إلى أخي إلى الحويزة لأجل طلب العلم، فأتى بي إلى شط سحاب وركبنا في سفينة وأتينا من طريق ضيق قد أحاط به القصب من الجانبين، وليس فيه متسع إلا للسفينة، وكان الوقت حارا، وهاج علينا من ذلك القصب بق كل واحدة منها مثل الزنبور، وأين ما لدغ ورم موضعه، ذلك الطريق اسمه طريق الشريف.

وفي ذلك الطريق الضيق رأينا جماعة من أهل الجاموس فقصدناهم وكنا جياعا، فخرجنا عليهم وقت العصر وفرش لنا صاحب البيت فراشا، فصار وقت المغرب، فلما صلينا صرنا في انتظار العشاء وما جاء لنا بشئ حتى أتى وقت النوم واشتد جوعنا وأخذنا النوم، فنمنا جياعا، فلما بقي من الليل بقية قليلة جاء صاحب البيت إلى قربنا وشرع ينادي جاموسه ويقول: يا صبغا ويا قرحاء هاي، فلما رفع صوته وسمعت الجاموس ذلك الصوت أقبلن إليه من بين القصب، فلما خرجن إليه سألت واحدا منهم ما يريد هذا الرجل من هذا الجاموس؟ فقال: يريد أن يحلبهن ويبرد الحليب ويطبخ لكم طعاما من الحليب والأرز، فقلت: انا لله وانا إليه راجعون، وأخذني النوم، فلما قرب الصباح أتى بقصعة كبيرة وأيقظنا، فلم نر على وجه تلك القصعة شيئا من الأرز، فمددنا أيدينا فيها إلى المرافق فوقعنا على حبات منه في قعر تلك الجفنة وشربنا من ذلك الحليب، ويا لها من ليلة ما أطولها وما كان أجوعنا فيها، خصوصا لما شربنا من هذا الحليب.

فركبنا بعد طلوع الشمس وأتينا إلى الحويزة، وقد كان أخي قبلي ضيفا عند رجل من أكابرها، ويقرأ في شرح الجامي عند رجل من أفاضلها، فتشاركنا في الدرس وبقينا نقرأ عنده في شرح الجاربردي على الشافية، وهذا الأستاذ أيضا - رحمه الله تعالى - قد استخدم علينا كثيرا، واسمه الشيخ حسن بن سبتي ، وكان قد عين على كل واحد منا انا إذا أردنا قضاء الحاجة أو البول ومضينا إلى جرف الشط أن يأتي كل واحد منا معه

صفحه ۱۰

بصخرتين أو آجرتين من قرب قلعة الترك، فربما ترددنا في اليوم إلى الشط مرارا وهذا حالنا، فلما اجتمع عنده صخر كثير أراد أن يبني منزله، فطلب وكنا نحن العملة، فبنينا له ما أراد بناه من البيوت.

وإذا مضينا معه إلى الحويزة العتيقة وأردنا الرجوع قال يا أولادي تمضون وتمشون من غير حمل؟ فكان يطلب سمكا عتيقا من أهلها وأشياء أخرى ويقول لنا: احملوه، فكنا نحمله وماؤه يجري على وجوهنا، وكنا إذا أردنا كتابة حاشية من كتابه ما يأذن لنا، لكن ربما أخذنا الكتاب منه سرقة وكتبنا منه بعض الحواشي، وهكذا كان حاله رحمه الله معنا، وكنا راضين بخدمته غاية الرضا لبركات أنفاسه الشريفة في الدرس، وكان طاب ثراه حريصا على الكتب وبقيت بعده عند أزواج بناته لا يعرف لها قيمة، وهذا كان حالنا في الدرس.

وأما بالنسبة إلى المآكل، فقد قلنا اننا كنا في بيت رجل من أكابرها، وفي أكثر الأوقات كنا نبقى في المدرسة لأجل المباحثة إلى وقت الظهر، فإذا مضينا إلى منزل الرجل وجدناهم فرغوا من الغذاء فنبقى إلى الليل، وقد كان صاحبي يلقط قشور البطيخ والرقي من الأرض ويأكلها بترابها، وكان يستتر عني بهذا حياء وخجلا، وكنت أنا أفعل مثل فعله، فأتيت يوما وطلبته فرأيته قد جمع القشور وجلس تحت الباب يأكلها بترابها، فلما رأيته ضحكت، فقال: وما يضحكك؟ فقلت: لأن هذه حالتي أنا وكل منا يكتم حاله عن الآخر، فقال: فإذا كان هذه حالنا فنجمع هذه القشور كل يوم ونغسلها بالماء ونأكلها.

فبقينا على هذا مدة، وكنا في تلك المدة نطالع على نور القمر، وكنت تعمدت حفظ متون الكتب مثل الكافية والشافية وألفية ابن مالك ونحوها، فإذا كانت الليالي مقمرة كنت أطالع، وإذا جاءت الليالي السود كنت أكرر قراءة تلك المتون على ظاهر قلبي حتى لا أنساها، وكان أهل المجلس يجلسون وأنا معهم، وكنت أظهر لهم صداع رأسي، فأضع رأسي بين ركبتي وأقرأ تلك المتون وهكذا كان حالي.

فبقيت على هذا مدة، فأتى والدي من الجزائر، وقال: ان أمكما تريدكما، فأخذنا معه إلى الجزائر، وبقينا فيها أياما قلائل، فرجعنا أيضا إلى الحويزة، فرأينا رجلا من أهل الجزائر يريد السفر إلى شيراز، فأخذ المرحوم أخي كتبه وأسبابه ومضى إلى

صفحه ۱۱

البصرة، وأتيت أنا معه إلى الجزائر، وكان شهر رمضان، فبقيت عند أهلي أربعة أيام، وركبت أنا وذلك الرجل في سفينة وقصدنا البصرة، فلما ركبت السفينة من غير خبر من أهلي ظننت أن والدي يطلبني، فقلت لأهل السفينة: أخلع ثيابي وأنزل الماء وأقبض سكان السفينة والسفينة تجري، فكنت في الماء والسفينة تسير حتى لا يراني أحد، فلما آيست من الطلب ركبت في السفينة.

وفي أثناء الطريق رأينا جماعة على جرف الشط ونحن في وسطه، فصاح لهم ذلك الشيخ وقال: أنتم من الشيعة أم من السنة؟ فقالوا: نحن من السنة، فقال لعن الله [ فلان وأبا زينب وفلان أتعرفون أن أبا زينب خ ل] عمر وأبا بكر وعثمان أتعرفون ان عمر كان مخنثا، فصاحوا عليه بالشتم واللعن، فضجوا أهل السفينة عليهم، والسفينة تجري وتلك الجماعة على جرف الشط يمشون ويرموننا بالحجارة، فبقينا على هذا الحال معهم نصف نهار، فمضينا إلى البصرة وكان سلطانها في ذلك الوقت حسين باشا، فبقينا فيها نقرأ عند رجل فاضل من أجلاء السادة، فبقينا مده قليلة.

ثم إن والدي (ره) تبعنا، فأتى ليأخذنا إلى الجزائر، فأظهرنا له الرغبة إلى ما أراد، فأتينا إلى سفينة واستأجرنا مكانا فيها من غير خبر والدي، فركبنا فيها وسافرنا إلى شيراز، فخرجنا من السفينة إلى بندر حماد، واستأجرت أنا وأخي دابة واحدة لقلة ما عندنا من الدراهم، وذلك الطريق صعب جدا من جهة الجبال، فقطعت تلك الجبال كلها وأنا حافي الاقدام، وكان عمري في ذلك اليوم يقارب الإحدى عشرة سنة، فوصلنا إلى شيراز صلاة الصبح، فمضينا إلى بيت ذلك الشيخ الذي كان معنا، وكان منزله بعيدا من مدرسة المنصورية، ونحن كنا نريد السكنى فيها، لان بعض أقاربنا كان فيها، فقال لنا ذلك الشيخ: خذوا الطريق واسألوا وقولوا مدرسة المنصورية (ميخواهيم) ومعناه بالعربية نريدها، فمضينا نمشي فحفظت أنا كلمة وأخي كلمة أخرى، فكنا إذا سألنا قال أحدنا مدرسة المنصورية قال الآخر (ميخواهيم) فوصلنا إلى تلك المدرسة، فجلست أنا في الباب ودخل أخي إليها، فكان كل من يخرج من طلبة العلم ويراني يرق لحالي وما أصابني من آثار التعب.

فلما وجدنا صديقنا قعدنا معه في حجرته، وأخذنا في اليوم الآخر لزيارة رجل فاضل وهو الشيخ البحراني، فكان يدرس في شرح ألفية ابن مالك، فسلمنا عليه وأمر لنا

صفحه ۱۲