86

نشوار المحاضرة وأخبار المذاكر

نشوار المحاضرة وأخبار المذاكر

ویرایشگر

مصطفى حسين عبد الهادي

ناشر

دار الكتب العلمية

ویراست

الأولى

سال انتشار

1424هـ-2004م

محل انتشار

بيروت / لبنان

: حدثني أبو العباس هبة الله بن محمد بن المنجم ، عن أسلافه : إن المأمون نكب عاملا له ، يقال : عمرو بن نهيوي ، صهر موسى بن أبي الفرج بن الضحاك ، من أهل السواد ، موسرا ، فأمر محمد ابن يزداد أن يتسلمه إليه ، ويعذبه ، ويعاقبه ، حتى يأخذ خطه بعشرة آلاف ألف درهم ، ويستخرجها منه . فسلم عمرو إلى محمد ، فأكرمه ، وألطفه ، وأمر بخدمته وترفيهه ، وأفرده في حجرة سرية من داره ، وأخدمه فيها من الفرش والغلمان بما يليق به ، ولم يكلمه ثلاثة أيام ، والمأمون يسأل عن الخبر ، فيبلغه ترفيهه له ، فيغتاظ ، ويسأله ، فيقول : هو مطالب . فلما كان في اليوم الرابع ، استدعى عمرو محمدا ، فدخل إليه . قال محمد بن يزداد : فقال لي : يا هذا ، قد عرفت ما تقدم به إليك الخليفة في أمري ، ووالله ما رأيت هذا المال ، ولا نصفه ، ولا ثلثه قط ، ولا يحتوي عليه ملكي ، ولعل الخليفة يريد دمي ، وقد جعل هذا إليه طريقا ، وقد تفضلت علي لا يسعني معه أن أدخر جهدا في تجميلك عند صاحبك ، وقد كتبت تذكرة بجميع ما يحتويه ملكي ، ظاهرا وباطنا ، وهي هذه ، وسلمها إلي ، وإذا هي تشتمل على ثلاثة آلاف ألف درهم ، وعلي ، وعلي ، وحلف بالطلاق والعتاق ، والإيمان المغلظة ، ما تركت لنفسي بعد ذلك ، إلا ما علي من كسوة تستر عورتي ، وهذا وسعي ، وجهدي ، فإن رأيت أن تأخذه ، وتسأل الخليفة الرضا به مني ، فإن فعل فقد خلصني الله بك ، ونجاني من القتل على يدك ، وإن أبى ، فإنه يسلمني إلى عدوي الفضل بن مروان ، وهو القتل ، ووالله ، لا أعطيت على هذا الوجه ، درهما واحدا ، ولا كنت ممن يجيء على الهوان ، دون الإكرام ، وسأتلف ، ولا يصل الخليفة إلى حبة من مالي ، ولكن المنة لك علي حاصلة ، فإن عشت شكرتها ، وإن مت فالله مجازيك عني . قال : فأخذت التذكرة ، ورحت إلى المأمون . فقال : ما عملت في أمر عمرو بن نهيوي ؟ فقلت : إنه قد بذل ألفي ألف درهم ، وليس عنده أكثر من ذلك . فاستشاط ، وقال : لا ، وكرامة له ، ولا أربعة آلاف ألف ، ولا ثمانية آلاف ألف . وقال لي الفضل : ما دمت ترفهه ، وتكرمه ، وتجلسه على الدسوت ، وتخدمه بنفسك وغلمانك ، كيف لا يتقاعد ؟ فقلت له : فتسلمه أنت إن شئت . فقال الخليفة : خذه إليك . فأخذه ، وأرهقه ، وطالبه بعشرة آلاف ألف ، ودهقه ، وضربه ، وهو لا ينحل بشيء . فنزل معه إلى خمسة آلاف ألف ، فلم يستجب . فقنع منه بثلاثة آلاف ألف ، فلم يجب . فلما زاد عليه المكروه ، وخاف الفضل أن يتلف في العذاب ، فيجب المال عليه في نفسه بإتلافه إياه ، رفق به ، وداراه ، وخلع عليه ، ورفهه أياما . وقال له : كان محمد بن يزداد بذل عنك ألفي ألف درهم ، وقد قنعت بها منك ، فهاتها . فقال : ما ملكتها قط ، ولا بذلتها لمحمد . فجاء الفضل إلى المأمون ، فاقتص عليه خبره معه ، في معاقبته ، ومطالبته أولا ، بالكل ، واقتصاره ثانيا ، وترفيهه له ، وإكرامه ، وقناعته منه بألفي ألف درهم ، وإقامته على انه لا مال له ، وإنكاره أن يكون بذل ذلك ، وكنت حاضرا . فانقطع الحبل في يد المأمون ، وكاد يهم بالفضل . فقلت : يا أمير المؤمنين الرجال لا يكالون ، وليس كل أحد يجيء على الهوان ، وإن الفضل استخطأ رأيي فيما عاملت عمروا به ، فصار إليه ، وعامله بمثله حيث لم ينفع ذلك ، ولو تركني معه في الأول ، لا ستخرجت منه ثلاثة آلاف ألف عفوا ، وهذه تذكرة بخط عمرو تحتوي على ثلاثة آلاف ألف فأخرجها ، وطرحتها بين يديه . وقلت : لو كنت علمت أن أمير المؤمنين يجيبني في ذلك الوقت ، إلى ثلاثة آلاف ألف ، عنه ، لبذلتها ، فبذلت ألفي ألف ، حتى إن لم يقنع ، زدت ألف ألف ، والآن فقد فسد هذا ، ووالله ، لا أعطى عمرو ، مع ما جرى عليه ، حبة ، فإن استحل أمير المؤمنين دمه ، فذاك إليه ، وإلا فليس إلى استخراج شيء منه سبيل . قال : فاستحيا المأمون ، وأطرق مفكرا مليا ، ثم رفع رأسه ، وقال : والله لا كان كاتب من كتابي ، ولا نبطي من عمالي ، أكرم ، وأوفى ، وأصح تدبيرا مني ، قد وهبت لك يا محمد ، عمروا وما عليه ، فخذه ، واصنع به ما شئت . فتسلمته من الفضل بن مروان ، وأطلقته مكرما إلى بيته .

صفحه ۹۱