138

مصطفى النحاس

مصطفى النحاس

ژانرها

خرج الصديقان من المحبس وهما يعلمان أن الله تعالى قد أنقذ حياتهما على يد مصطفى النحاس صاحبهما الوفي النباع العاطفة، وأخيهما في الجهاد، والمحامي المدره المنطيق الذواد عن الحق، الذي سهر الليالي الطوال، وأكب على البحث المجهد والدراسة المتواصلة، وسط ملفات ضخمة وأوراق ركام؛ ليستخلص من خلالها الحجج الناطقة بتلك البراءة المشرفة التي نجت عنقيهما من حبل المشنقة، وأنقذت شرف الوفد من أشنع اتهام.

ومن ذلك الحين راحت صداقة هؤلاء الإخوان الثلاثة فوق كل أقيسة المودة في العالم، وأسمى من كل ما تعرف الدنيا من حدود الوفاء؛ لأنه من جهتهما الحب المدين بالحياة، ومن جهته هو الوفاء الذي باركته السماء.

ألا إن بين هؤلاء الأصدقاء لروابط ليس كمثلها في أواصر المودة بين الصحب والخلطاء، روابط روحية، من دم حفظ، وعنق سلم من يد الجلاد، وحياة كان لها الموت بالمرصاد، ويوم يقول ماهر مخاطبا مصطفى: «يا صديقي وزعيمي»! يذهب الخاطر به إلى وقفته في ساحة القضاء، في خطر من الموت والفناء، وقد وقف هذا الصديق الزعيم في جرأة الحق، وبكاء الحنان، وألم الوجدان، والوفاء النادر في الزمان، يضع كل قلبه ودمه وعصبه في مرافعته التاريخية، ودفاعه الجليل المجيد؛ لينقذه هو وصاحبه من صعدة سلم الإعدام.

إن هذه لذكرى خالدة، يحييها أبدا عرفان الجميل، ويغذيها أبدا الإقرار بالصنيع، واليد التي لا تنسى لمصطفى النحاس على الزمان ...

وكان الجو السياسي يومئذ قد تهيأ للائتلاف بين الوفد والأحزاب عقب اجتماع البرلمان في فندق «الكونتننتال»، فانعقد المؤتمر الوطني في التاسع من شهر فبراير سنة 1926 بدار محمد محمود باشا لبحث الموقف والتشاور في علاج صالح له، وكان مظهره يصور أروع صور الائتلاف، وأرفع معاني الوحدة والتئام الصفوف، واجتماع الكتلة وتناسق البنيان.

وأمام هذا المظهر المرهوب والوحدة الرائعة، لم يكن من الوزارة الزيورية إلا أن نزلت على حكم الأمة، فأعلن في الاجتماع أن قانون الانتخاب المباشر هو الذي سوف يعمل به، فأحبطت كتلة الائتلاف كيد الكائدين.

وجرت الانتخابات الجديدة في ظل الائتلاف، وما كادت تظهر نتائجها الساطعة حتى تجاوبت بها الأصداء، فاهتزت كراسي الوزراء من تحتهم، وتحطمت آمالهم، فأزيحوا عن الحكم، وزلزلوا زلزالا شديدا.

وكان ذلك انتصارا باهرا لسعد في معركة الدستور، ومكافحة الرجعية وصنائعها الآثمين.

ولكن ظهرت يومئذ أزمة سياسية خطيرة يراد منها الانحراف عن أحكام الدستور في أخص خواصه، وهو أساس الحكم؛ إذ لعب الإنكليز لعبة ماكرة فطن سعد إليها، ولكنه أحب أن يتجاهلها؛ لأن الاصطدام بها كان يخشى منه أن يدك صرح الائتلاف، ولم يكد البناءون يفرغون من بنائه، وكانت تلك اللعبة ترمي إلى إزاحة سعد عن تولي الحكم، مع أنه حقه الدستوري بصفته زعيم الأكثرية؛ فأشاروا إلى تقليده لعدلي باشا ليقوم إحراج بين الرجلين، ولكن سعدا كان أحكم من أن يقع في تلك اللعبة الماكرة، فأعلن أن حالته الصحية لا تمكنه من حمل أعباء الحكم ومقاليده؛ أما عدلي فقد تردد طويلا قبل القبول، وتناوبته الوساوس والمخاوف من أن يكون توليه الحكم في هذا الظرف الدقيق محفوفا بالخطر، ولم تهدأ نفسه حتى جاهر سعد بتأييده، ووعده بشد أزره في رياسته لمجلس النواب إذا هو تولى رياسة الوزارة؛ فتشجع عدلي باشا فقبل دعوة الملك له لتشكيل الوزارة الجديدة، وانتهت الأزمة بتلك اللعبة غير الظاهرة.

ولم يدخل مصطفى النحاس باشا وزارة الائتلاف، وبقي بجانب سعد فوق منصة الرياسة في مجلس النواب وكيلا له. وقد كادت تقع بسببه هو كذلك أزمة ثانية، إذ حارب الإنكليز دخوله الوزارة وقاوموه مقاومة ملحة، وهم يحسبون لوطنيته الصلبة وشخصيته القوية يومئذ أكبر الحساب، كأنما كانوا يتوقعون هم كذلك يومئذ أن هذا الرجل هو البطل المرتقب، والزعيم العتيد، والخصم العنيف الذي تعده الأقدار لهم على الأيام.

صفحه نامشخص