137

مصطفى النحاس

مصطفى النحاس

ژانرها

وقد سكتت النيابة أمام ذلك الصوت الداوي ولم تحر جوابا؛ فكان صمتها اعترافا، وسكوتها قبولا لهذه التهمة الخطيرة. وظلت النيابة بعد ذلك طيلة المرافعة كلها ملتزمة الصمت، بينما ذهب هو يتناول حوادث الاغتيال مفندا اتهام صديقيه بالاشتراك فيها حادثة فحادثة، مثبتا أن النيابة لا تملك من دليل غير أقوال شفيق منصور التي أدلى بها بعد الحكم عليه بالإعدام؛ أي بعد أن أوشك أن يكون جثة هامدة، وكان الدفاع كلما انتهى من تفنيد الاتهام في حادثة حادثة، راح يتحدى النيابة بقوة وشجاعة، ويسألها الجواب على تحديه فلا تجد جوابا ولا تفوه بقول؛ فكان ينظر إلى القاضي مهيبا به أنه يربأ به أن يعتد بذلك الاتهام.

وهكذا جعل مصطفى يهدم كل تهمة ثم يقول: «وهل عند النيابة شيء آخر ... لا جواب! إذن ليس لديها سوى كلام شفيق منصور الذي يراد إرسال المتهمين به إلى المشنقة، ولكنا نلوذ بالله وبعدل القضاء.»

ومن قوة الملاحظة التي امتازت بها تلك المرافعة الخالدة ما ختم به مصطفى النحاس باشا أدلته على باطل ذلك الاتهام قبل الكلمة الأخيرة، وفي ذلك يقول:

هذا هو تفسيري للحادثة الشنيعة التي اشتركت النيابة في عملها والتستر عليها، وفي يدي الآن دليل مادي جديد على هذا التدبير في خارج السجن، وهو التقرير ذاته الذي تسلمته الآن من حضرة وكيل النيابة - سيد مصطفى بك يومئذ - فإن أوراق هذا التقرير إلى الصحيفة الثانية والثلاثين منه لم تكن من الأوراق المستعملة في السجن، بل من أوراق المحاكم. أما ورقة السجن فهي الصحيفة الثالثة والثلاثون، إذ هي وحدها من نوع الورق الموجود في السجن، ومن النوع الذي أعطي لماهر والنقراشي ليكتبا عليه ملاحظاتهما على أوراق التحقيق، فالتقرير إذن كتب في إحدى غرف النيابة، وعلى أوراق المحاكم، عدا الصحيفة الأخيرة منه، وبهذا التدبير يؤخذ بالأبرياء إلى محكمة الجنايات!

وقد اقتنع القاضي بصحة هذه الملاحظة.

والتفت النحاس باشا بعد ذلك إلى منصة القضاء فقال كلمته الأخيرة وهي: «نحمد الله تعالى أن مثلنا أمامكم، فظهرت الحقائق، وانكشف المستور من عمل النيابة والسلطات في هذه القضية.

هذه يا حضرة القاضي هي تدبيراتهم على اغتيال هذه الأرواح الطاهرة الغالية، وليس لنا ملجأ إلا عدل القضاء النزيه الذي لا تدنسه المؤثرات، ولا تدفعه الشهوات، ونحن على يقين بأن ضميرك يا حضرة القاضي، وقد تجلت الحقيقة أمامك بما لا يدع مجالا لأي لبس فيها، لن يسمح لك ضميرك الذي لا يطلع عليه إلا الله العزيز المنتقم الجبار، أن تحيلنا إلى محكمة الجنايات لتكون وقودا لنيران هذه المؤامرات. وأطلب إلى الله - جل وعلا - أن يثبتك في إيمانك ، وأن يبعد عنك هذه المؤثرات الأثيمة، وأدعوه تعالى أن يمتعك بمتعة القناعة، فتقضي بينك وبين الله بالحق الذي تراه ...»

هذا هو القاضي القديم الذي يعرف كيف يناجي قلوب القضاة، ويفهم ما يجول في نفوسهم، فيحدثهم عن «متعة القناعة»؛ لأنه أخذ حياته بها، ولزمها في مجلس القضاء وأطاعها، فكانت وقاء له من المؤثرات، ومناعة له من دوافع الشهوات، وسنادا له في نزاهة الأحكام.

وقد أحيلت القضية إلى محكمة الجنايات، وكان رئيس الدائرة التي نظرتها هو مستر «كرشو»، فأبلى الدفاع أمامها أحسن البلاء، وحطم الاتهام كل تحطيم، وبخاصة في مناقشة شهود الإثبات، ووقف في الحق مواقف مشرفة مجيدة في تاريخ المحاماة.

وقد قضت المحكمة ببراءة ماهر والنقراشي في الخامس والعشرين من مايو سنة 1926، وإن أبي مستر «كرشو» إلا أن يفشي سر المداولات، فذهب يشكو إلى لورد لويد تغلب زميليه عليه في هذه التبرئة التي لا يعتقد صحتها، وبالأخص من ناحية الدكتور أحمد ماهر، وكان ذلك مسلكا شاذا معيبا من قاض أولى به أن يصون حرمة المكان الذي يجلس فيه. وجاء المسلك الذي اتبعه لورد لويد تعقيبا على هذه الشكاة الخارجة على القانون أسوأ وأشنع؛ إذ راح يتدخل في استقلال القضاء المصري تدخلا جريئا جافيا خارقا لكل حرمة أو سياج، ولكن الصديقين العزيزين والمجاهدين الوفيين ماهر والنقراشي قد برئا من التهمة بقضاء محكمة عليا في البلاد، فلم تكن ثم قوة في العالم تستطيع أن تحتجزهما في السجن، أو تبطل حكم براءتهما من الوجود.

صفحه نامشخص