مروج الذهب ومعادن الجوهر
مروج الذهب ومعادن الجوهر
واشتد أمر البريديين بالبصرة، ومنعوا السفن أن تصعد، وعظم جيشهم، وكثرت رجالهم، وصار لهم جيشان: جيش في الماء في الشذوات والطيارات والسميريات والزبازب، وهذه أنواع من المراكب يقاتل فيها صغار وكبار، وجيش في البر عظيم، واصطنعوا الرجل، وبذلوا الرغائب، فانضاف إليهم حجرية السلطان وغلمانه، وصار جيش السلطان الأتراك والديلم والجبل ونفرا من القرامطة، وكل ذلك مع توزون، وكان توزون من رفقاء بجكم والخواص من أصحابه، فانحدر توزون إلى واسط لحرب البريديين، وكانوا ملكوا واسط وتغلبوا عليها، فكانت بينهم سجالا، والمتقي لله لا أمر له، ولا نهي، فكاتب المتقي أبا محمد الحسن بن عبد الله بن حمدان ناصر الدولة، وأخاه أبا الحسن على بن عبد الله سيف الدولة أن ينجدوه ويستنقذوه مما هو فيه، ويفوض إليهما الملك والتدبير، وقد كان قبل ذلك خرج إليهم وتوزون في جمليهم منضاف وغيره من الأتراك والديلم، وذلك عند قتلهم محمد بن رائق في سنة ثلاثين وثلاثمائة، وانحدارهم إلى مدينة السلام، واستيلائهم على الملك والقيام به وحربهم البريديين، وما كان بينهم من الوقائع إلى أن توجه عليهم ما ذكرنا في كتابنا أخبار الزمان من خروج أبي محمد الحسن بن عبد الله من الحضرة إلى الموصل، ولوحق أخيه أبي الحسن علي بن عبد الله، وخلاصه مما دبره عليه توزون وجعجع التركي، وخرج المتقي إلى الموصل، فلما بلغ توزون ذلك رجع إلى بغداد وقصد بني حمدان، فكان التقاؤهم بعكبرا، فكانت بينهم سجالا، ثم كانت لتوزون عليهم، فرجع إلى بغداد، ثم أجمعوا له أيضا، ورجعوا إليه، فتركهم حتى قربوا إلى بغداد، فخرج عليهم فلقيهم فهزمهم بعد مواقعات كانت بينهم، وسار وراءهم حتى دخل الموصل، وخرج عنها إلى مدينة بلد، فصالحوه على مال حملوه إليه، فرجع إلى بغداد وهو مستظهر بمن معه من الأتراك والجبل والديلم وكمال العدة والكراع، وسار المتقي إلى نصيبين، ورجع عنها إلى الرقة فنزلها، وذلك لأيام بقين من شهر رمضان سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة، وكاتب الإخشيد محمد بن طغج صاحب مصر فسار إلى الرقة وحمل إليه مالا كثيرا، وأهدى إليه غلمانا وأثاثا، وضم إليه قائدا من قواده، وجفل أمره، وزاد في حاله، وبر جميع من معه من وزيره أبي الحسن علي بن محمد بن مقلة، وقاضي القضاة أحمد بن عبد الله بن إسحاق الخرقي، وسلام الحاجب المعروف بأخي نجح الطولوني، وجماعة الوجوه والغلمان، ثم لم يعبر الإخشيد محمد بن طغج إلى الرقة ولا إلى شيء من جانب الجزيرة وديار مضر، وعبر المتقي، وسار إلى معسكره من الجانب الشامي؛ فكانت بينهم خطوب وأيمان وعهود، وأبو الحسن علي بن عبد الله بن حمدان مقيم بحران على طول مقام المتقي بالرقة، وقد كان أبو عبد الله الحسين بن سعيد بن حمدان سار عن حلب وبلاد حمص عند مسير الإخشيد إلى بلاد قنسرين والعواصم، فانفض جمعه، وتفرق جنده عنه، وانضافوا إلى أبي الحسن علي بن عبد الله، واتصلت كتب توزون بالمتقي، وتواترت رسله يسأله الرجوع إلى الحضرة، وأشهد توزون من حضره من القضاة والفقهاء والشهود، وأعطى العهود والمواثيق بالسمع والطاعة للمتقي، والتصرف به بين أمره ونهيه ، وترك الخلاف عليه، وأنفذ إليه كتب القضاة والشهود بما بذل من الأيمان وأعطى من العهود، وأشار بنو حمدان على المتقي أن لا ينحدر، وخوفوه من توزون، وحذروه أمره، فإنه لا يأمنه على نفسه؛ فأبى إلا مخالفتهم والثقة بما ورد عليه من توزون، وقد كان بنو حمدان أنققوا على المتقي نفقة واسعة عظيمة طول مقامه عندهم واجتيازه بهم؛ يكثر وصفها ويعسر علينا في التحصيل إيرادها بإكثار المخبرين لنا بتحديدها، وانصرف الإخشيد عن الفرات متوجها نحو مصر، وانحدر المتقي في الفرات، فتلقاه أبو جعفر بن شيرزاد كاتب توزون بأحسن لقاء، وأقام له الأتراك، ومضى في إنحداره حتى دخل النهر المعروف بنهر عيسى، وسار إلى الضيعة المعروفة بالسندية على شاطئ هذا النهر، فتلقاه توزون هنالك، وترجل له ومشى بين يديه؛ فأقسم عليه أن يركب ففعل، حتى وافى به إلى المضرب الذي كان ضربه له على الشط من نهر عيسى، وذلك على شوط من مدينة السلام، فأقام هنالك، وأنفذ رسلا إلى دار طاهر ليحضر المستكفي، فلما حصل المستكفي في المضرب قبض على المتقي، ونهب جميع ما كان معه، وقبض على وزيره أبي الحسن علي بن محمد بن مقلة، وعلى قاضيه أحمد بن عبد الله بن إسحاق، ونهب جميع المسكر، وانصرف القائد الذي كان الإخشيد ضمه إلى المتقي ومن معه إلى صاحبهم، وأحضر المستكفي فبويع له، وكحل المتقي، فصاح وصاح النساء والخدم لصياحه، فأمر توزون بضرب الدبادب حول المضرب، فخفي صراخ الخدم، وأدخل إلى الحضرة، مسمول العينين، وأخذ منه البردة والقضيب والخاتم، وسلم إلى المستكفي بالله، وبلغ ذلك القاهر فقال: قد صرنا اثنين نحتاج إلى ثالث، يعرض بالمستكفي بالله.في في المضرب قبض على المتقي، ونهب جميع ما كان معه، وقبض على وزيره أبي الحسن علي بن محمد بن مقلة، وعلى قاضيه أحمد بن عبد الله بن إسحاق، ونهب جميع المسكر، وانصرف القائد الذي كان الإخشيد ضمه إلى المتقي ومن معه إلى صاحبهم، وأحضر المستكفي فبويع له، وكحل المتقي، فصاح وصاح النساء والخدم لصياحه، فأمر توزون بضرب الدبادب حول المضرب، فخفي صراخ الخدم، وأدخل إلى الحضرة، مسمول العينين، وأخذ منه البردة والقضيب والخاتم، وسلم إلى المستكفي بالله، وبلغ ذلك القاهر فقال: قد صرنا اثنين نحتاج إلى ثالث، يعرض بالمستكفي بالله.
المتقي يطلب رجلا إخباريا يأنس به
وحدث محمد بن عبد الله الدمشقي قال: لما نزل المتقي الرقة كنت فيمن يتصرف بين يديه، وأقرب منه في الخدمة، لطول صحبته، فقال لي في بعض الأيام في الرقة وهو جالس في داره مشرفا على الفرات: اطلب لي رجلا إخباريا يحفظ أيام الناس أتفرج إليه في خلواتي وأستريح به في الأوقات، قال: فسألت بالرقة عن رجل بهذا الوصف، فأرشدت إلى رجل بالرقة كهل لازم لمنزله، فصرت إليه، ورغبته في الدخول إلى المتقي بالله، فقام معي كالمكره، وصرنا إلى المتقي فأعلمته إحضاري للرجل الذي طلبه، فلما خلا وجهه دعا به واستدناه، فوجد عنده ما أراد، فكان معه أيام مقامه بالرقة، فلما انحدر كان معه في الزورق، فلما صار إلى فم نهر سعيد وذلك بين الرقة والرحبة - أرق المتقي ذات ليلة، فقال للرجل: ما تحفظ من أشعار المبيضة وأخبارها؟ شمر الرجل في أخبار آل أبي طالب إلى أن صار إلى أخبار الحسن بن زيد وأخيه محمد بن زيد بن الحسن وما كان من أمرهما ببلاد طبرستان، وذكر كثيرا من محاسنهما، وقصد أكمل العلم والأدب إياهما، وما قالت الشعراء فيهما، فقال له المتقي: أتحفظ شعر أبي المقاتل نصر بن نصير الحلواني في محمد بن زيد الحسني الداعي؟ قال: لا يا أمير المؤمنين لكن معي غلام لي قد حفظ بحداثة سنه وحدة مزاجه وغلبة الهمة لطلب العلم والأدب عليه ما لم أحفظ من أخبار الناس وأيامهم وأشعارهم، قال: أحضره، ولم أخفيت عني خبر مثل هذا فيكون حضوره زيادة في أنسنا؟ فأحضر الغلام من زورق آخر، فوقف بين يديه، فقال له صاحبه: أتحفظ قصيدة أبي المقاتل في ابن زيد؟ قال: نعم، قال المتقي: أنشدنيها، فابتدأ ينشده إياها:
لا تقل بشرى وقل لي بشريان ... غرة الداعي ويوم المهرجان
خلقت كفاه موتا وحياة ... وحوت أخلاقه كنه الجنان
فهو فصل في زمان بدوي ... وابن زيد مالك رق الزمان
فهو للكل بكل مستقل ... بالعطايا والمنايا والأمان
أوحد قام بتشييد المباني ... فبه استنبط أجناس المعان
مسرف في الجود من غير اعتذار ... وعظيم البر من غير امتنان
وهو من أرسى رسول الله فيه ... وعلياه المعلى والحسان
سيد عرق فيه السيدان ... والذي يكبر عن ذكر الحصان
مختف فكرته في كل شيء ... فهو في كل محل ومكان
يعرف الدهر على ما غاب عنه ... فيرى المضمر في شخص العيان
يتناءى لفظنا عنه ولكن ... هو بالأوصاف في الأذهان دان
صفحه ۱۸۵