مروج الذهب ومعادن الجوهر
مروج الذهب ومعادن الجوهر
ومن الجانب الآخر الصورة بعينها، وهو جالس في مجلسه كالمفكر المطرق فقال الراضي: أما ترى صنع هذا الإنسان، وما تسمو إليه همته، وما تحدثه به نفسه؟ فلم أجبه بشيء، وأخذت به في أخبار من مضى من الخلفاء وسيرهم في أتباعهم، ثم نقلته إلى أخبار ملوك الفرس وغيرها، وما كانت تلقاه من أتباعها، وصبرهم عليهم، وحسن سياستهم لذلك، حتى تصلح أمورهم، وتستقيم أحوالهم؛ فسلا عما عرض لنفسه، ثم قلت: ما يمنع أمير المؤمنين أن يكون كالمأمون في هذا الوقت حيث يقول:
صل الندمان يوم المهرجان ... بصاف من معتقة الدنان
بكأس خسروانى عتيق ... فإن العيد عيد خسروانى
وجنبني الزبيبين طرا ... فشأن ذوي الزبيب خلاف شاني
فأشربها وأزعمها حراما ... وأرجو عفو رب ذي امتنان
ويشربها ويزعمها حلالا ... وتلك على الشقي خطيئتان
قال: فطرب وأخذته أريحيته، فقال لي: صدقت، ترك الفرح في مثل هذا اليوم عجز، وأمر بإحضار الجلساء، وقعد في مجلس التاج على دجلة، فلم أر يوما كان أحسن منه في الفرح والسرور، وأجاز في ذلك اليوم من حضره من الندماء والمغنين والملهين بالدنانير والدراهم والخلع وأنواع الطيب، وأتته هدايا بجكم وألطافه من أرض العجم، فسر في ذلك اليوم وجميع من حضره.
قال المسعودي: وقد أتينا على ما كان في أيام الراضي من الكوائن والحوادث مجملا ومفصلا في كتابنا أخبار الزمان، ومن أباده الحدثان، من الأمم الماضية والأجيال الخالية والممالك الدائرة وما كان من أمره في حال خروجه مع بجكم إلى بلاد الموصل وديار ربيعة، وما كان بين بخكم وأبى محمد الحسن بن عبد الله بن حمدان المسمى بعد ذلك بناصر الدولة، وقصدنا فيما ذكرنا في هذا الكتاب إلى الاختصار، دون الشرح والإكثار، إذ كان في الإكثار من الأخبار ثقل على القلوب، وملل للسامع، وقليل الأخبار، يغني عن كثير الإقتدار.
ذكر خلافة المتقي لله
وبويع المتقي لله، وهو أبو إسحاق إبراهيم بن المقتدر، لعشر خلون من ربيع الأول سنة تسع وعشرين وثلاثمائة، وخلع وسملت عيناه يوم السبت لثلاث خلون من صفر سنة ثلاث وثلاثين وثلاثمائة، وكانت خلافته ثلاث سنين وأحد عشر شهرا وثلاثة وعشرين يوما، وأمه أم ولد.
ذكر جمل من أخباره وسيره ولمع مما كان في أيامه
وزراؤه
ولما أفضت الخلافة إلى المتقي لله أقر على الوزارة سليمان بن أحسن بن مخلد، ثم استوزر أبا الحسن أحمد بن محمد بن ميمون، وكان كاتبه قبل الخلافة، ثم استوزر أبا إسحاق محمد بن أحمد القراريطي، ثم استوزر أبا العباس أحمد بن عبد الله الأصبهاني، ثم استوزر أبا الحسن علي بن محمد بن مقلة، وغلب على الأمر أبو الوفاء توزون التركي.
انتقاض الأمر عليه
صفحه ۱۸۳