119

وسوريا وكيف ضاعت، وسوريا ورئاسات الدولة فيها وجمهورياتها، وفلسطين وأحزابها وصهيونيتها وسبب ضياع الحجاز من أجلها، وسوريا واستقلالها الأخير المزعوم وحالتها اليوم

مزقت الوحدة العربية بسبب الانتدابات، وكانت مساعي منوري سوريا في عهد الدستور العثماني طلب إدارة لامركزية، وبالطبع فإن دعاتهم جعلوا مركز دعايتهم في أوروبا باريس وفي الشرق مصر. ونظرا للضغط التركي كان العطف على هذه المزاعم في كل بلد عربي مرئيا ظاهرا، فجاءت الحرب العامة فاستغلت وقامت الثورة العربية.

ولما تبين أن الحركة العربية ثابتة، جاء سايكس وبيكو إلى جدة ومعهما الملك فيصل، فكان ما تذاكروا فيه - مما خفي علي إلى الآن - غير ما كتب إلي الوالد عنه وأنا بوادي العيص، وهو قوله: «حضروا فأبدوا لنا ما أرادوا فأجبناهم بما ألهمنا الله وقد عادوا وعاد أخوك».

فمنذ ذلك الحين والجيش الشمالي العربي الذي يقوده الملك فيصل، كان ينال كل مساعدة وتأييد من الإنكليز والفرنسيين؛ وباقي جيوش الثورة في الحجاز كانت لا ينالها من المطر إلا الرشاش. وتبين أن هذه الجهود تنصرف لإيجاد قوة تسند جيش اللنبي من يمينه، وتبيين أن المحادثة كانت لإيجاد سوريا مستقلة عن الحجاز، وإيجاد دولة عراقية مستقلة عن الحجاز أيضا.

وبعد أن جلت الجيوش العثمانية عن بلاد الشام إلى ما وراء حلب، ظهر عيانا أن سفر الأمير فيصل إلى أوروبا باسم رئيس الهيئة العربية في مؤتمر الصلح إنما هو أمر ظاهر، والحقيقة هي أنه كان يعمل بين لندن وباريس للاتفاق على إيجاد مملكة سورية مستقلة عن الحجاز؛ وإن الأمر لظاهر، فإن في إنزال الراية العربية عن بيروت في أول أيام الهزائم التركية ما يشير إلى صحة ما ذهبنا إليه.

فهذه السياسة هي التي مزقت وحدة العرب وملك العرب. فلما تم ذلك وكانت البلاد ترغب شيئا، والذين يريدون الرئاسة والحكم يعجزون عن الحصول على ذلك الشيء وهو استقلال البلاد الحقيقي، جاء التبلبل والتردد مع عدم الاستعداد، وعملت العصابات ما أشير إليها.

ثم لما وقعت الواقعة دخلت فرنسا وفر المترئسون، وهكذا سقطت سوريا وجاء الرجال الذين ترأسوها تحت إمرة المفوضين السامين الفرنسيين من رؤساء الحكومة ورؤساء الجمهوريات إلى أن حلت الحرب الأخيرة، فهزمت فرنسا واستسلمت، وجاءت حكومة فيشي وسيطرت، وجاءت اللجان الألمانية الإيطالية، واضطرت إنكلترا إلى التدخل لسلامة نفسها قبل كل اعتبار، فأدخلت معها ديغول ومن معه، فكان للإنكليز فرنسا وللألمان فرنسا أخرى. أما العرب فهم ينتظرون مصيرهم مستسلمين، ولقد وقع ما كان ينتظر.

وبعد أن تم إخراج فرنسا الفيشية قيل إن ميدان الحرب بعد عن الشرق الأوسط، وأن لا مانع من إعادة الحياة الدستورية إلى سوريا ولبنان مع الاعتراف باستقلالهما؛ وقد جرى ذلك تحت ضمانة بريطانيا كما يعرفه الناس.

وكانت الانتخابات وجاء البرلمان السوري وجاءت الجمهورية الحاضرة، ثم حصل ما حصل بين هذه الجمهورية وفرنسا، وتدخلت إنكلترا لتأمين الأمن فكبلت أيدي الفرنسيين وأرخت الحبل بيد الحكومة السورية، على أن يكون في لندن مؤتمر لحل المشكلة؛ وهذا يعني أن الإشكال لا يزال في طريق الحل، وأن إنكلترا كانت أوصت الطرفين بالتقارب، وأنها تريد نفاذ استقلال سوريا ولبنان ، ولا تنكر مركز فرنسا الممتاز في البلدين.

أما فلسطين فلا تزال تتخبط تحت شهوات أحزابها. فالعرب في تأخر واليهود كل يوم يستزيدون أرضا يملكونها. ولقد أدهشني ما رأيت بينما أنا في طريقي من جنين إلى اللد، من مستعمرات اليهود؛ فالساحل كله من حيفا إلى يافا أصبح بأيديهم، وقد عمروا تلك الرمال واستخرجوا مياهها وأحيوا مواتها وجعلوها جنات عدن وألجأوا العرب إلى الجبال القاحلة. ولا تزال الأحزاب العربية تناضل عن الشخصيات الذين على أيديهم خربت البلاد، بعد أن كان لمساعي هؤلاء التأثير الكبير في سقوط الدولة الهاشمية في الحجاز. لأن الدفاع السلبي غير المتقن الذي اتبعه جلالته تحت تضييقهم قد أدى إلى سقوط الحجاز. وفي كل هذه الأمور العبر.

صفحه نامشخص