وقد جاء في هذا التقرير: إن الذي في نفوس المصريين ليس هو العداوة بأي نوع كان، بل هو الإحساس الطبيعي لكل أمة أن تستقل بشئونها.
ولقد أظهرت الأمة في سلوكها طول مدة الحرب أنها تنتظر من بريطانيا العظمى معاملتها على هذا السلوك المستقيم وعلى الضحايا الكبرى التي غرمتها بما تستحق من الرعاية فتعترف لها بالاستقلال بعد زوال السيادة التركية عنها.
ثم إن الوفد المصري الذي وكل لهذه الغاية قد جعل فاتحة برنامجه أن يتجه إلى الشعب البريطاني قبل كل شيء لنيل عطفه على مصر والمصريين، وليتبين للرأي العام هناك أن النقطة التي تلتقي فيها منافع بريطانيا العظمى واستقلال مصر ليست نقطة معدومة بل إيجادها في حيز الإمكان.
وكل ذلك ينفي بتاتا أن هذه الحركة نتيجة عداوة في النفوس، وإن كانت في الجملة بعض نتائج اليأس وخيبة الرجاء.
ثم استعرض التقرير بعد ذلك مجريات الأحداث منذ إعلان الحماية على مصر؛ حيث «ظنوا أن الحماية ضرورة استدعتها الظروف الحربية فقط ... وكان رجاء الناس يزداد يوما فيوما بمقدار ما يقرءونه في الصحف من خطب رجال السياسة في بريطانيا العظمى وفي الولايات المتحدة، وبما يطالعونه بشغف عظيم من الخطب التي كان يلقيها «الدكتور ويلسون» في حرية الشعوب، وأنه لا يكون بعد الآن شعب سيد وشعب مسود، بل كلهم في الإخاء الإنساني سواء».
وتناول التقرير بعد ذلك ما حدث من أعمال لجنة الامتيازات ... وما ترتب على ذلك من اعتبار المصريين كمية عاطلة ليس لهم في إدارة بلادهم نصيب، فخيم الحزن على نفوس المصريين، ولكنهم اعتقدوا أن كل ذلك من عمل حزب الاستعمار، وأن الشعب البريطاني الحر لا يرضى بهذا التصرف.
وما زالوا يعلقون آمالهم بالرأي العام البريطاني العام وبمؤتمر السلام الذي وضعت قواعده بفضل الأمم الحرة.
ولما نشرت هذه القواعد تألف الوفد المصري وليس أعضاؤه من غير المسئولين ولا غير المعبرين عن الرأي العام كما يقال، بل إنه فضلا على ما لرئيسه وبعض رجاله من صفة النيابة عن الأمة، قد وكله أكثر من ثلاثة أرباع نواب الجمعية التشريعية غير الوزارة، كما وكله أعضاء الهيئات النيابية الأخرى (مجالس المديريات والمجالس البلدية والمحلية) وكثير من الأفراد أولي الرأي في البلاد.
وطلب الوفد الترخيص له بالسفر إلى إنجلترا وفرنسا، فلم يرخص له بذلك، فلما طال به الانتظار، رفع شكواه إلى المندوب السامي وقتئذ ثم إلى رئيس الوزارة البريطانية، وطرق كل باب ليتمكن من السفر.
فلما صرح هنا بعدم التصريح لأحد بالسفر، وقبلت استقالة الوزارة، تلك الاستقالة التي قالت عنها جريدة «المورنينج بوست» في عددها الصادر في 29 يناير 1919 إنها بعبارتها تجعل من الصعب جدا أن مصريا آخر يأخذ محل الرئيس دون أن يستهدف لغضب الشعب، اضطربت الخواطر وشملت الأنفس عوامل اليأس من تحسين الحال.
صفحه نامشخص