345

معجز احمد

اللامع العزيزي شرح ديوان المتنبي

مناطق
سوریه
امپراتوری‌ها و عصرها
فاطمیان
ربّ أمرٍ أتاك لا تحمد الفع ... عال فيه وتحمد الأفعال
يقول: إن هذا الفعل كان منهم محمودًا في نفسه؛ لما فيه من نفع المسلمين، فحمدته لذلك، وإن كان لا تحمدهم على فعلهم ذلك.
وقسيّ رميت عنها فردّت ... في قلوب الرّماة عنك النّصالا
يقول: إنهم جاءوا بها، ثم انهزموا، فأخذ أصحابك قسيهم، فرموا بها من كان يرميهم، فردت نصالهم في نحورهم.
أخذوا الطّرق يقطعون بها الرّس ... ل فكان انقطاعها إرسالا
يقول: أخذوا الطرق من كل جهة؛ ليمنعوا الرسل الذين يرسلهم أهل الحدث إلى سيف الدولة، فلما انقطعت الرسل استراب، وعلم أن الروم حاصروهم، فركب إليهم، وكأن انقطاع الرسل عنه قائمًا مقام الإرسال.
وقيل: أراد أنهم وإن اجتهدوا في قطع الرسل عنه، فلم يخف الخبر عليه؛ لأن الناس تطلعوا إلى إبطاء الخبر عنهم، وعادوا بالخبر إليه.
وهم البحر ذو الغوارب إلاّ ... أنّه صار عند بحرك آلا
كثروا فكانوا كالبحر، ذي الأمواج، فكانوا بالإضافة إليك كالسراب إلى البحر.
ما مضوا لم يقاتلوك ولكن ... ن القتال الّذي كفاك القتالا
ما: نفي، ولم يقاتلوك: في موضع الحال، أي ما مضوا غير مقاتلين لك، أي أنهم ما انهزموا من غير قتال، بل ثبتوا وقاتلوا، ولكن كان القتال الذي هزمهم هو قتالك معهم قبل ذلك، وكفاهم الآن قتالهم.
والمعنى: أنهم لما جربوك قبل هذا اليوم، وشاهدوا إيقاعك بهم، خافوا الآن من الإقدام، فانصرفوا منهزمين.
والّذي قطع الرّقاب من الضّر ... ب بكفّيك قطّع الآمالا
يقول: إن السيف الذي قطع رقابهم حين ضربتهم به قبل ذلك، قطع الآن آمالهم أن يقدموا عليك.
والثّبات الّذي أجادوا قديمًا ... علّم الثّابتين ذا الإجفالا
يقول: إن الروم كانوا ثبتوا فيما مضى من الأيام، وجودوا الثبات لك، فأدى ثباتهم إلى قتلهم واستئصالهم، فعلم هؤلاء ثباتهم من قبل، هذا الهرب والانهزام، لأنهم علموا أنهم لو ثبتوا لهلكوا.
والإجفال: الانهزام.
نزلوا في مصارعٍ عرفوها ... يندبون الأعمام والأخوالا
يقول لما نزل هؤلاء حول الحدث؛ ورأوا مصارع أعمامهم وأخوالهم الذين قتلهم قبل هذا اليوم، وأقبلوا يندبونهم، ويبكون عليهم.
ثم انهزموا خوفًا من أن يحل بهم ما حل بمن تقدمهم من أقربائهم.
تحمل الرّيح بينهم شعر الها ... م وتذري عليهم الأوصالا
تذري: أي تسير. والأوصال: الأعضاء.
يقول: نزلوا في مصارع الذين قتلهم من الروم، وأوصالهم كانت موجودة بها بعد، فكانت الريح تذري عليهم رميم أوصالهم، وتحمل بينهم شعور هامهم.
تنذر الجسم أن يقيم لديها ... وتريه لكلّ عضوٍ مثالًا
فاعل تنذر ضمير المصارع، وإليها يرجع الضمير في قوله: لديها وقيل: إن فاعل تنذر: ضمير الريح. والأول أولى.
والمعنى: إن مصارع المقتولين من قبل تنذر أجسام هؤلاء المنهزمين أن يقيموا بها، وترى هذه المصارع أجسامهم لكل عضو منها مثالًا من أعضاء المقتولين، فإذا تأملوا تلك الأعضاء علموا أنهم إن أقاموا بها قتلوا، وصارت أعضاؤهم منقطعة.
أبصروا الطّعن في القلوب دراكًا ... قبل أن يبصروا الرّماح خيالا
دراكًا: تباعًا. متداركًا. وتقدير البيت: أبصروا الطعن في القلوب دراكًا خيالا قبل ان يبصروا الرماح.
يقول: إنهم تخيلوا الطعن في قلوبهم، لما رأوا مصارع قتلاهم، فانهزموا قبل أن يروا الرماح عيانًا.
وإذا حاولت طعانك خيلٌ ... أبصرت أذرع القنا أميالا
الأميال: جمع ميل. وهو ثلث الفرسخ.
يقول: إن العدو إذا أراد مطاعنتك رأى رماحك طوالًا، حتى كأنه يرى كل ذراع منها في طول الميل، لما لحقه من الخوف والوهل، فكأنه مأخوذ من قول الله تعالى " يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْىَ الْعَيْنْ ".
بسط الرّعب في اليمين يمينًا ... فتولّوا وفي الشّمال شمالًا
قال ابن جني: هذا مثل قول الله تعالى: " يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْىَ الْعَيْنْ " ولم يزد على هذا.
والمعنى: أن الرعب قد ملأ قلوبهم لما عاينوا جيشك، فصور لهم أنه قد اتصل بناحية يمين جيشه يمين أخرى، وكذلك في ناحية الشمال، فرأوه أكثر مما هو، فكأنهم رأوا الرجل رجلين، واليمين يمينين والشمال شمالين، فولوا أدبارهم منهزمين.

1 / 345