806

وأما النقلي: فاعلم أن الله تعالى قد امتن علينا بالكتاب وسماه {هدى للناس}[البقرة:185] وبالرسول وسماه: {مبشرا ونذيرا}[الإسراء:105] والامتنان لا يكون إلا بنعمة، وقال تعالى: {وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى}[فصلت:17] وقال: {ولكل قوم هاد}[الرعد:7] وقال: {وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا}[الإسراء:15 ]والآيات في ذلك كثيرة وكلها دالة على أن الله قد أنعم على كل مكلف بالهداية والدعاء على ألسنة الرسل، والترغيب والترهيب حتى لا تكون للكافر على الله حجة يوم القيامة كما قال تعالى: {أن تقولوا ما جاءنا من بشير ولا نذير فقد جاءكم بشير ونذير}[المائدة:19 ]ولذا لا يمكنهم الإنكار عند سؤال خزنة جهنم {ألم يأتكم نذير، قالوا بلى قد جاءنا نذير فكذبنا وقلنا ما نزل الله من شيء...} [الملك:9]..الآية، فثبت بما ذكرنا أن الله منعم على كل مكلف بنعم لا تحصى دينية ودنيوية، وما أحسن ما قاله العلامة أبو السعود في تفسير هذه الآية أعني: {أنعمت عليهم}[الفاتحة: 7] وهو من فحول الخصوم ونصه: ونعم الله تعالى مع استحالة إحصائها تنحصر أصولها في دنيوي وأخروي، والأول قسمان: وهبي وكسبي، والوهبي أيضا قسمان: روحاني كنفخ الروح فيه وإمداده بالعقل وما يتبعه من القوى المدركة فإنها مع كونها من قبيل الهدايات نعم جليلة في أنفسها، وجسماني كتخليق البدن والقوة الحالة فيه والهيئات العارضة له من الصحة وسلامة الأعضاء، والكسبي تخليةالنفس عن الرذائل وتحليتها بالأخلاق السنية، والملكات البهية، وتزيين البدن بالهيئات المطبوعة والحلي المرضية وحصول الجاه والمال.

صفحه ۸۱۲