805

ومن الدلالة على ذلك ما في هذه السورة من قوله تعالى: {والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا}[النحل:78 ]إلى قوله:{ يعرفون نعمة الله ثم ينكرونها وأكثرهم الكافرون}[النحل:83 ]وكتاب الله مشحون بالتذكير بالنعم والتحذير من إنكارها والحث على شكرها على تنوع الدلالة فمنها: ما يدل بالمطابقة، ومنها: ما يدل بالتضمن أوالالتزام أو التنبيه أو الإشارة، وأول آية منه البسملة فإنها متضمنة للاسم الشريف الدال على استجماع صفات الكمال التي منها: الإحسان إلى الخاص والعام، وإطلاق الرحمن الرحيم الدال على شمول الرحمة وعمومها، والرحمة من أعظم النعم وأجلها، ثم ثنى بقوله: {الحمد لله رب العالمين}[الصافات:182 ]وقد مر أن الحمد فيها على نعمة التربية، وما دلت عليه الأوصاف التي بعدها من النعم، وسيأتي مزيد بسط في الدلالة في مواضعه من كتابنا هذا إن شاء الله.

وأما الحجة على إثبات النعم الدينية، فلنا في ذلك مسلكان: عقلي، ونقلي.

أما العقلي: فنقول: قد ثبت أن الله تعالى عدل حكيم لا يفعل القبيح ولا يرضى به، وإذا كان كذلك لم يجز منه تعذيب الكافر من دون استحقاق، وإذا لم يجز تعذيبه من دون استحقاق فلا بد من دلالته وهدايته وإرشاده إلى ما ينفعه وتحذيره مما يؤدي إلى عقابه وإهانته، وإلا كان تكليفا بما لا يعلم ولا يطاق وذلك قبيح لا يجوز منه تعالى وقد هداه ودله بما ركب فيه من العقل الذي يميز به بين الحسن والقبيح، ويفهم به معنى خطاب الله وخطاب رسله، وقواه على الطاعة ومكنه منها، ودعاه إليها، ورغب بالثواب وزجر بالعقاب، وكل ذلك نعم عظيمة.

فإن قيل: وأي نعمة على الكافر بالتكليف ولولاه لما هلك واستوجب العذاب الدائم؟ قيل: قد مر الكلام على بيان حسنه بما لا مزيد عليه، وسيأتي في سورة البقرة زيادة تحقيق وما حسن فعله للغير فهو نعمة.

صفحه ۸۱۱