586

والجواب: أنا نقول ما أردت بكونه أشرف الأفعال، هل أردت أنه أشرفها بالنظر إلى كونه فعلا مجردا، فذلك دعوى مجردة عن الدليل، بل هو مخالف للضرورة، فإن في أفعال الله تعالى وأفعال العباد ما هو أشرف من الإيمان من حيث أنه مجرد فعل، ألا ترى أن الجنة أشرف منه، والشمس، والكواكب بالنظر إلىكونها أفعالا مجردة أشرف منه لأنها أفعال مضيئة مشرقة دونه، وكذلك في أفعال العباد ما هو أشرف منه من حيث كونها أفعالا، فإن لبس الثياب الفاخرة، والتطيب بالروائح الطيبة أشرف منه، أم أردت أنه أشرف منها لما فيه من النفع، فإن أردت نفع المؤمن به وهو الله تعالى فذلك باطل؛ إذ لا يجوز عليه النفع، وإن أردت نفع فاعله فذلك لا يقتضي أنه أفضل الأفعال كلها، وإلا لزم في كل فعل فيه نفع لفاعله أن يكون أفضل الأفعال، والمعلوم خلافه، فثبت أن الإيمان ليس أشرف الأفعال كلها، وغايته أنه أشرف أفعال العبد؛ لأن انتفاعه به أعظم من سائر أفعاله لما يفضي به إليه من السعادة الدائمة، ثم إنا لا نسلم أنه أشرف أفعال العبد؛ لأنه أعظم نفعا له، بل نقول: إنما كان أشرف أفعاله لما فيه من المطابقة لمراد الله تعالى منه الذي يستحق به رضوانه، ولكونه أشرف الوسائل إلى الله كما قال علي عليه السلام : (إن أفضل ما توسل به المتوسلون إلى الله الإيمان). رواه في النهج، وإذا لم يكن أشرف الأفعال كلها، وإنما هو أشرف أفعال العبد، ولم يكن أشرفها إلا لأنه وسيلة إلى الله تعالى وقربة إليه لم يكن استحقاق فاعله للحمد أكثر ولا أولى، بل المستحق لذلك من شرف الإيمان لكونه وسيلة إليه، فلا يغرك زخرفة الرازي وتنميقه للألفاظ التي هي أجسام بلا أرواح، وإنما يستميل بها الأغمار، ويلبس بها على الجهال، ألا ترى أنه هنا أتى بعبارة يستعظم الجاهل القول بخلافها، وهي دعواه أن الإيمان أشرف الأفعال، ومع ذلك أنه أردف هذه العبارة بأعظم منها، وهي قوله: إن من كانت النعمة الصادرة منه... إلخ، وهذه عبارة إنما أريد بها التلبيس والتشنيع، وإلا فلا طائل تحتها في هذا الموضع، فإن أراد أن الإيمان نعمة وهو أكمل النعم، فلو كان من العبد لكان استحقاقه للحمد أكثر وأولى.

فجوابه: أن نقول إن أردت أنه لو كان من العبد لكان نعمة منه، فهذا باطل لأنك إن قلت: إن العبد يكون منعما به على الله، فقد قدمنا أنه لا يجوز عليه النفع والإنعام نفع، وإن أردت أن العبد أنعم به على نفسه، فذلك باطل؛ لأن المنفعة لا تسمى نعمة إلا إذا أريد بها الغير، فثبت أن كون الإيمان من فعل العبد لا يستلزم أن يكون العبد مستحقا لأكثر الحمد ولا أولى به؛ لأن إيمانه لا يكون نعمة منه، وإنما هو نعمة من الله عليه من حيث أنه الذي هداه إليه، ومكنه، وأعانه، وقواه، وإذا كان الأمر كذلك فالله تعالى هو المستحق لأكثر الحمد وهو أولى به، ولا يلزم منه أن يكون تعالى هو الفاعل للإيمان.

الوجه الثاني: قالوا: أجمعت الأمة على حمد الله تعالى وشكره على نعمة الإيمان، فلو لم يكن الإيمان من فعله لما جاز أن يحمد ويشكر عليه؛ إذ حمد الغير على ما ليس من فعله محال باطل بدليل قوله تعالى: {ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا}[آل عمران:188].

والجواب من جهتين:

صفحه ۵۹۰