أقضي أمسياتي في سماع الحكاية التي كررها علي عزيزي الزناتي عن مكتبته ثلاثمائة ألف مرة؛ لن أنسى أبدا وفاءه ولا تضحيته من أجلي. إنه أكرم إنسان عرفته.
وهناك صديق آخر كان يأتي إليه غالبا، ويكتب أيضا: ... يتحدث فريد (الرفاعي) غالبا عنك ... إنه يحيا حياة لا تطاق، ويعيش دوما رابطا مصيره ب «الرئيس» دون أي بحث عن مصلحة شخصية ... وأظن أنه لو أحب هذا الشاب امرأة كما يحب ثروت باشا لكانت هذه المرأة أسعد امرأة في العالم؛ أي حماس، وأي حميا، وأي استعداد لكل شيء.
ولما كان قد ارتاح أخيرا لعثوره على حريته، فقد استعاد مزاجه المرح. وها هو ذا يكتب لي رسالة مضحكة كان لا بد لها من أن تسليني، يكتب في بدايتها: «لقد أنجزت عملا بطوليا خارقا؛ فقد تحممت اليوم في البحر!»
إذ بعد أن أرهقه إلحاح ألبير وأصدقائه انتهى للاستسلام لهم. وها هو ذا محاطا بألبير وفكري، في حمام الرجال في سان ستيفانو. إنه ليس عبارة عن بلاج، وإنما ينزل المرء إلى الماء بواسطة درج، ويتدبر أمره حسب إمكاناته. وبدا طه مروعا؛ إذ وجد نفسه شبه عار! (ولم يكن لباس الحمام كما هو اليوم!) لكن فكري يشجعه: ما فائدة دراسة التاريخ اليوناني إن لم نلبس كاليونان؟! وأخيرا ينزلون على الدرج متقاطرين. وصرخ بي واحد لا أعرفه منهم: «ولكن تقدم!» ثم «ابق واقفا! تمسك جيدا بالحبل!» لكن جاري لم يكن هادئا؛ فقد كان رأسي بارزا ولم يكن يحب أن يظل كذلك. ويقول لي: «أغلق فمك، ولا تتنفس، وأغطس رأسك في الماء!» وأطيع! يا للهول! شربة، شربة هائلة تدخل فمي وأذني وشعري ... ويضحك الجميع: «إذن؛ أغلق فمك وأعد الكرة.» وأعيد الكرة، ولكن الأمر نفسه يتكرر! يا للشيطان! من أين أمكن للماء أن يدخل؟! لا أعرف. ولكن ها هو ذا الحبل ينقطع، ويحملني ألبير على السلم. أتظنين أنني سأعيد الكرة؟ كان الأمر ممتعا، لكنه في منتهى التعقيد. إنني أعرف الآن ما معنى الغرق!»
لو قرأ ولداي هذه السطور لضحكا كثيرا، لكني لا أدري إن كانا يستطيعان أن يتصورا ما كانت عليه هذه الحمامات البحرية الغريبة.
ثم ها هي تلك المعجزة: طفل وليد يهتف: «يعيش سعد زغلول! تعيش مصر حرة مستقلة!» ويضطرب الحي بأكمله وسرعان ما تنتظم مظاهرة: «سوف نعلم البوليس أن شيئا خارقا قد حدث.» وا أسفاه! فقد كان الوليد (!) ابن أربعة أعوام! لكنه لم يكن طبيعيا، كما كان ضئيلا بشكل لا يصدق، وكان من النحول بحيث أن أباه كان يضعه في جيب جلابيته
77
ويجعل منه موردا لرزقه.
على أن البهجة لا تدوم، فهو يحاول الصبر لكنه لا يتوصل إلى ذلك أبدا؛ إذ إنه يستشعر بحدة أعرفها منه تماما مرارة الخيبات التي يلقاها غالبا. ولقد ظل طيلة حياته - ومع إدراكه للطبيعة البشرية - ينسج الأوهام حول أولئك الذين يحبهم، ومنهم الآن لطفي الذي إذ لقيه في سان ستيفانو، كازينو الرمل الشهير، حيث كانت الفئات الرسمية والطبقة الأرستقراطية ترتاده عند العصريات وتتبادل فيه أحاديث لا تنتهي، سلم عليه ببرود. كان بصحبة عدلي ومحمد محمود
78
صفحه نامشخص