فالتتبع من السير وراء الراحل، والتقري من البحث عنه حيث كان مقره، والمجاز من العبور، وما التعبير نفسه في أصوله؟ إنه هو العبور.
ولا بد من مناسبة قريبة أو بعيدة تنتهي إلى هذه الدلالة في الألفاظ المعبرة عن الجماعات والأمكنة.
فنحن نقول «الجيش» من جيشان الحركة في الأمكنة المتعددة أو المكان الواحد.
ونقول الجند، والراجح أن الأصل فيه يرجع إلى «الجند»، وهي الأرض الغليظة التي لا يسهل طروقها، كأنهم استعاروه لمناعة المكان الذي يحميه المقاتلون المسلحون أو المستعدون للقتال.
ونعتقد أن النظر إلى ألفاظ اللغة من هذه الناحية متمم لكل دراسة من دراساتها، سواء منها ما يراد للتاريخ أو لتحقيق أصالة الكلمات أو لتقرير قواعد «البلاغة» ... وهي كذلك من التبليغ أو البلوغ إلى المكان.
فإذا التبس علينا أمر كلمة من الكلمات، فلم نعلم في ظاهر الأمر أهي من ألفاظ العرب الأصيلة أم من الدخيل عليها، فلدينا هذا المقياس الحاضر نقيس به دلالة الكلمة، ونردها إلى حياة العرب وإلى المعهود من تعبيرها عن معالم تلك الحياة، فلا يطول بنا العناء في الرجوع بها إلى أصل معقول نطمئن إليه.
قيل مثلا: إن كلمة «القلم» مأخوذة من «كلموس» اليونانية ... ولا يعزى الاستناد في هذا القول إلى مرجع من مراجع التاريخ المحقق غير مجرد الظن القائم على التشابه في مخارج اللفظين، وهو لا يدل على السابق إلى وضع الكلمة من اللغتين.
ولكننا نستطيع أن نرد الكلمة إلى القلم أو التقليم من القلامة في اللغة العربية، فنرى أنها أصيلة في هذه اللغة بهذا المعنى، ونتقصى المادة، فنعلم أنها لا تنقل بجملتها من لغة إلى لغة.
فمادة القاف والميم وما يتوسطهما مطردة في الدلالة على الشق والقطع، ومنها قحم وقرم وقصم وقضم وقطم وقلم، وهي آخرها في ترتيب الأبجدية.
ونعود إلى الشيء الذي «يقلم» فنعلم أن القناة والقصبة والريشة مما يقلمه العرب ويتخذون منه القلامات، فيحق لنا أن نفهم أننا بصدد هذه الكلمة أمام لفظ أصيل في لغة العرب، لا ينقلونه من لفظ آخر في لغة أجنبية.
صفحه نامشخص