لوامع الأنوار البهية وسواطع الأسرار الأثرية لشرح الدرة المضية في عقد الفرقة المرضية
لوامع الأنوار البهية وسواطع الأسرار الأثرية لشرح الدرة المضية في عقد الفرقة المرضية
ناشر
مؤسسة الخافقين ومكتبتها
ویراست
الثانية
سال انتشار
۱۴۰۲ ه.ق
محل انتشار
دمشق
وَظَاهِرُ الْمَعْلُومَاتِ أَنَّ جَمِيعَ الْجِنِّ كَذَلِكَ، وَهُوَ رَأْيُ قَوْمٍ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا فَزَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّ أَكْلَهُمْ وَشُرْبَهُمْ تَشَمُّمُ اسْتِرْوَاحٍ لَا مَضْغٌ وَبَلْعٌ، وَهَذَا لَا دَلِيلٌ عَلَيْهِ، وَقَالَ الْأَكْثَرُونَ: إِنَّهُمْ يَأْكُلُونَ بِمَضْغٍ وَبَلْعٍ، وَزَعَمَ قَوْمٌ أَنَّ جَمِيعَ الْجِنِّ لَا يَأْكُلُونَ وَلَا يَشْرَبُونَ. وَهَذَا سَاقِطٌ، وَقِيلَ إِنَّ صِنْفًا يَأْكُلُونَ وَيَشْرَبُونَ، وَصِنْفًا لَا يَأْكُلُونَ وَلَا يَشْرَبُونَ، وَسُئِلَ وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ عَنِ الْجِنِّ هَلْ يَأْكُلُونَ وَيَشْرَبُونَ؟ وَهَلْ يَمُوتُونَ وَيَتَنَاكَحُونَ؟ فَقَالَ: هُمْ أَجْنَاسٌ، فَأَمَا خَالِصُ الْجِنِّ فَهُمْ رِيحٌ لَا يَأْكُلُونَ وَلَا يَشْرَبُونَ وَلَا يَمُوتُونَ وَلَا يَتَوَالَدُونَ، وَمِنْهُمْ أَجْنَاسٌ يَأْكُلُونَ وَيَشْرَبُونَ وَيَتَوَالَدُونَ وَيَتَنَاكَحُونَ وَيَمُوتُونَ، قَالَ: وَهِيَ هَذِهِ الَّتِي مِنْهَا السَّعَالِي وَالْغُولُ وَأَشْبَاهُ ذَلِكَ. أَخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ.
وَحَدِيثُ عَلْقَمَةَ عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ عِنْدَ الْإِمَامِ أَحْمَدَ وَمُسْلِمٍ وَالتِّرْمِذِيِّ: «لَمَّا أَتَى النَّبِيُّ ﷺ دَاعٍ مِنَ الْجِنِّ، فَذَهَبَ مَعَهُ فَقَرَأَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنَ، وَأَنَّهُ ﷺ انْطَلَقَ بِأَصْحَابِهِ فَأَرَاهُمْ آثَارَهُمْ وَآثَارَ نِيرَانِهِمْ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ كَانُوا كَالْإِنْسِ فِي الْجُمْلَةِ، وَفِيهِ أَنَّهُمْ سَأَلُوهُ الزَّادَ، وَكَانُوا مِنْ جِنِّ الْجَزِيرَةِ، فَقَالَ لَهُمْ ﷺ:
لَكُمْ كُلُّ عَظْمٍ ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ» - «وَلَفْظُ التِّرْمِذِيِّ: لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ - يَقَعُ فِي أَيْدِيكُمْ أَوْفَرَ مَا كَانَ لَحْمًا، وَكُلُّ بَعْرَةٍ عَلَفٌ لِدَوَابِّكُمْ» .
قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: " «لَا تَسْتَنْجُوا بِهِمَا فَإِنَّهُمَا طَعَامُ إِخْوَانِكُمْ مِنَ الْجِنِّ» " وَقَدْ جَمَعَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ بَيْنَ رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ، وَبَيْنَ رِوَايَةِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ وَمُسْلِمٍ بِأَنَّ مَا فِي الْمُسْنَدِ وَصَحِيحِ مُسْلِمٍ فِي حَقِّ الْمُسْلِمِ مِنَ الْجِنِّ، وَمَا فِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ فِي حَقِّ غَيْرِ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُمْ، وَصَحَّحَهُ السُّهَيْلِيُّ، وَقَالَ: هَذَا يُعَضِّدُ الْأَحَادِيثَ.
وَقَدِ اسْتَدَلُّوا عَلَى مُنَاكَحَتِهِمْ بُقُولِهِ تَعَالَى ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ﴾ [الكهف: ٥٠] وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ﴾ [الرحمن: ٥٦] وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يَتَأَتَّى مِنْهُمُ الْجِمَاعُ، وَفِي الْحَدِيثِ: " «إِنَّ الْجِنَّ يَتَوَالَدُونَ كَمَا يَتَوَالَدُ بَنُو آدَمَ وَهُمْ أَكْثَرُ عَدَدًا» ". رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، وَأَبُو الشَّيْخِ فِي الْعَظْمَةِ عَنْ قَتَادَةَ.
(الثَّانِي)
فِي ذِكْرِ تَكْلِيفِ الْجِنِّ، وَلَوَاحِقِ ذَلِكَ - قَالَ الْعَلَّامَةُ شَمْسُ الدِّينِ مُحَمَّدُ بْنُ مُفْلِحٍ فِي كِتَابِهِ الْفُرُوعِ: الْجِنُّ مُكَلَّفُونَ فِي الْجُمْلَةِ إِجْمَاعًا يَدْخُلُ
2 / 222