فأخذ كلكاس الذعر شر مأخذ، فوقف يتلعثم بكلمات متقطعة، وأسنانه يدق بعضها بعضا من الرعدة وهو يقول: عفوا أيها الملك، إن الأميرة بخير. - لا تؤذني أيها الشيطان. - لعلك عفريت بيروس! - سامحني يا سيدي حماس.
إلى غير ذلك من لغة الذهول حتى أضحك الفتى حاله، فتركه وتقدم في جوف الصخرة، فوجد بها حجرة فيها قليل نور فدخلها، وإذا هو بمنظر هائل ؛ إذ رأى فتاتين إحداهما قتيلة لم تجف دماؤها بعد، والأخرى قائمة عند رأسها وفي يدها خنجر تقطر صفحتاه من دماء تلك الفتاة، فصرخ حماس بها يقول: من أنت أيتها الشريرة وما هذا المشهد الفظيع؟
فألقت الفتاة سلاحها وقالت: حلمك أيها الرجل، فليست الشريرة إلا طريدة الحياة هذه (وأشارت للفتاة القتيلة)، وأنا إنما قتلتها مدافعة عن عرضي وحياتي، قال: وما حديثكما؟ قالت: أنا بنت بعض الناس وقد وقعت في أسر عصابة من الأشقياء يرأسها طريد المملكة بيروس، ثم إنها حدثت حماس أخبارها، من يوم وقعت في قبضة العصابة إلى الساعة التي هي فيها، ثم قالت: وأعلم أيها البطل أنه لولا بعض رحمة في قلب الرجل الذي مد لك الحبل، لكنت الآن مكان هذه الآثمة الظالمة، وكانت مكاني أنا البريئة المظلومة، فإنها ما زالت تدفعه إلى الجريمة دفع الأبالسة الناس إلى الشر، حتى دخل علي ليقتلني كما هي إشارة بيروس، فجاءني كسلان متراخيا كأنما يريد أن يمهلني ما استطاع إمهالي، وفي هذه الأثناء سمع صفير الصفارة فخطفت هذه الشقية الخنجر من يد الرجل، وخرج هو ليدلي الحبال كما هي العادة، فكان من حسن حظي أن الخنجر سقط من يد كلكاس وهي تحاول أخذه منه، فوثبت فسبقتها إلى موضعه من الأرض، ثم حملت عليها وطعنتها به الطعنة القاضية، وإذ كنت قد سمعت طرفا من جدالك في هذا النهار مع كلكاس، مما جعلني أطمئن بعض الشيء، فقد وقفت وقفتي التي رأيتني عليها الخنجر بيدي، وأنا مستجمعة لأقتل بيروس فإن لم أتمكن فنفسي.
وكانت الفتاة تتكلم ولباس الجرم ينحل عن جسمها الطاهر، كما تماط الستور عن تمثال بديع فاخر.
فما استتمت حتى رفع حماس عينيه فأبصر، ولم يكن رأى من قبل شيئا فإذا هو بملك يبرئ نفسه وهو البراءة متجسمة، ويتكلم ولو سكت لكان الطهارة متكلمة.
وكانت لادياس قد وصفت من قبل لحماس، فحين تأملها عرفها بتلك الأوصاف، وسبقت فراسته لسانها إلى الاعتراف، فدنا منها وهو يقول بأعذب هتاف:
يا ملكا فوق الثرى
قد هام فيه الناس
إن صح أخبار الورى
فأنت لادياس
صفحه نامشخص