کاشف امین
الكاشف الأمين عن جواهر العقد الثمين
فأولا: حمل تلك الألفاظ من قوله: {يؤمنون بالغيب ...إلى يوسوس في صدور الناس {، أنها مجازات عن السبب العادي، ويريد بالسبب العادي هو الكسب الذي يزعمه على حسب ما مر من نقل مذهبه، ثم فسره بقوله: أي من صار سببا عاديا، ومن في أصل اللغة موضوعة لمن يعقل، فكيف فسر بها ذلك السبب العادي الذي هو الكسب عنده؟ فحينئذ فقد فسر الكسب بالإنسان نفسه لأنه هو الذي يصلح أن يقال فيه من صار سببا عاديا للأعمال الصالحات، ثم حكم على جميع آي القرآن بقوله: وعلى هذا القياس يعني إلى قوله: {يوسوس في صدور الناس {، فيصير داود عليه السلام وكل من أسند إليه فعل من جميع الخلق هو نفس الكسب، فاعجب لمثل هذه المقالة تصدر عن مثل هذا النحرير.
ثانيا: قوله: أو أن الإسنادات مجازات لكون العبد سببا لهذه الأفعال. وهذا هو القسم الأول بذاته من أقسام العلاقة وهو ما كانت علاقته السببية إلا أنه خالف العبارة حيث قال في الأول: وجب حمل تلك الألفاظ على أنها مجازات عن السبب العادي، ثم فسره بقوله: أي من صار الخ، وألزمناه على ذلك أن يصير الإنسان هو نفس الكسب، ثم قال: هاهنا أو أن الإسنادات مجازات لكون العبد سببا لهذه الأفعال. فصرح أن العبد هو نفس السبب لهذه الأفعال فكان هو نفس الكسب لأن الكسب في معتقده عبارة عن السبب الذي هو عنده بمجرى العادة بخلق الله الفعل في العبد، وهذا أعجب من الأول، وكنت عند الاطلاع على أول الكلام أظن أن الإتيان بمن إنما هو تصحيف من الناقل وأن الأم حق المؤلف أتى فيها بما التي لما لا يعقل حيث أنها مراد بها الكسب الذي لا يعقل ولا يعقل، فلما مررت على آخر الكلام، وهو أنه جعل العبد سببا لهذه الأفعال علمت أن ذلك ليس بتصحيف، وأنه يريد أن يفسر الكسب بالإنسان نفسه.
صفحه ۴۳۶