إن الملهاة تطهر النفس كما تطهرها المأساة؛ لأن النفس المطبوعة على الرحمة أو على حسن الذوق تجد في المأساة والملهاة منصرفا لما تنطوي عليه من العطف والشوق إلى الكمال واجتناب التشويه.
وكلا الفيلسوفين قد تطرق إليه الخطأ من فهم المأساة والملهاة على أنها نوع من التقليد والمحاكاة؛ لأن الشعر المسرحي يعرض الفواجع بتمثيل أناس يحاكون المصابين بها في حركاتهم وأقوالهم، وكذلك يفعل بالمضحكات والملهيات.
وأفلاطون من أجل هذا ينزل بالمقلدين إلى الدرجة الثالثة، فيقول: إن الصورة الفضلى هي صنعة الله ثم يحكيها الصانع الخبير بالصناعة، ثم يأتي الشاعر فيحكي عمل هذا الصانع حكاية بعد حكاية.
ولم يلتفت أرسطو إلى منزلة الشعراء المقلدين إلا في سياق كلامه عن الأخلاق والاستطراد منه إلى أخلاق الهجائين أو الذمامين، فلم يكن من همه أن ينشئ مدينة فاضلة يبيح المقام فيها لأناس ويحرمه على آخرين.
وليس في هذا الخطأ عيب على عقل الفيلسوفين الكبيرين؛ لأنهما بادئان في طريق لم يسبقهما إليها سابق من الخبراء أو غير الخبراء، ولكن العجيب منهما حقا أن يحسبا الفن تقليدا أو محاكاة ولا يحسباه خلقا وابتداعا من الشاعر على التخصيص، ومع أن كلمة الشاعر تفيد معنى الصانع أو الخالق باللغة اليونانية.
ونقول: إن هذا عجيب من الفيلسوفين حقا؛ لأنهما كانا يستطيعان أن يعلما أن وصف كرسي في الشعر أصعب من عمل كرسي بصناعة النجارة، وأن النجار الذي يعمل ألف كرسي لا يستطيع أن ينظم بيتا واحدا من القصيدة التي تنظم في وصف أحد كراسيه، وهكذا يستطيع الرسام أن يصور كوبا من الفخار ولا يستطيع الفخاري الذي يصنع الآنية الفخارية جميعا أن يخرج صورة لكوب صغير منها.
وقد زاغ هذا الفهم الخاطئ بالفيلسوفين عن أسباب الضحك في تفصيلاتها؛ لأنهما التفتا إلى فكرة التقليد فجعلها أحدهما إسفافا دون صناعة الصانع، وجعلها الآخر طلبا للمعرفة يكاد أن يتساوى فيه المقلد ومن يشهد التقليد، ويسر بالنظر إليه، ولم ينظر كلاهما بعين الشاعر لينفذ إلى مواطن الضحك فيما يتحراه من الصور المضحكة ومن تنويع عرضها وتمثيلها.
لكنهما على هذا الخطأ الذي لا ينجو منه كل مبتدئ قد نجحا في التعريف بسبب الضحك نجاحا غير قليل؛ لأنه كان أساسا لما بناه التابعون كما كان أساسا لنقد الناقدين.
فالقول بأننا نضحك من العمل لأنه ينم على جهل لم يبلغ درجة الإيذاء والإيلام، أو أننا نضحك من العمل لأنه يعرض لنا تشويها لم يبلغ هذه الدرجة؛ كلاهما قول يؤخذ به للمناقشة والتعقيب ولا يرفض كله جملة واحدة في تعريف من تعريفات المحدثين.
وكل ما نعترض به على التعريفين أن الإنسان قد يتبلد شعوره عن الألم والضحك في وقت واحد، فليس كل إنسان يرى التشويه ولا يؤلمه يضحك منه؛ لأنه قد يكون بليدا يخفى عليه التشويه والألم في آن.
صفحه نامشخص