983

جامع البيان في تفسير القرآن

جامع البيان في تفسير القرآن

[النساء: 3]. حدثني المثنى، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني الليث، قال: ثني يونس، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة، مثله. فعلى هذه الأقوال الثلاثة التي ذكرناها «ما» التي في قوله: { وما يتلى عليكم } في موضع خفض بمعنى العطف على الهاء والنون التي في قوله: { يفتيكم فيهن } فكأنهم وجهوا تأويل الآية: قل الله يفتيكم أيها الناس في النساء، وفيما يتلى عليكم في الكتاب. وقال آخرون: نزلت هذه الآية على رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوم من أصحابه سألوه عن أشياء من أمر النساء، وتركوا المسألة عن أشياء أخر كانوا يفعلونها، فأفتاهم الله فيما سألوا عنه وفيما تركوا المسألة عنه. ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن المثنى وسفيان بن وكيع، قال سفيان: ثنا عبد الأعلى، وقال ابن المثنى: ثني عبد الأعلى قال: ثنا داود، عن محمد بن أبي موسى في هذه الآية: { ويستفتونك فى النساء } قال: استفتوا نبي الله صلى الله عليه وسلم في النساء، وسكتوا عن شيء كانوا يفعلونه، فأنزل الله: { ويستفتونك فى النساء قل الله يفتيكم فيهن وما يتلى عليكم فى الكتب } ويفتيكم فيما لم تسألوا عنه. قال: كانوا لا يتزوجون اليتيمة إذا كان بها دمامة، ولا يدفعون إليها مالها فتنفق، فنزلت: { قل الله يفتيكم فى النساء وما يتلى عليكم فى الكتب فى يتمى النساء اللتى لا تؤتونهن ما كتب لهن وترغبون أن تنكحوهن } قال: والمستضعفين من الولدان. قال: كانوا يورثون الأكابر ولا يورثون الأصاغر، ثم أفتاهم فيما سكتوا عنه، فقال:

وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا فلا جناح عليهمآ أن يصلحا بينهما صلحا والصلح خير

[النساء: 128]، ولفظ الحديث لابن المثنى. قال أبو جعفر: فعلى هذا القول الذي يتلى علينا في الكتاب الذي قال الله جل ثناؤه: { قل الله يفتيكم فيهن وما يتلى عليكم }:

وإن امرأة خفت من بعلها نشوزا أو إعراضا

[النساء : 128]... الآية، والذي سأل القوم فأجيبوا عنه في يتامى النساء اللاتي كانوا لا يؤتونهن ما كتب الله لهن من الميراث عمن ورثنه عنه. وأولى هذه الأقوال التي ذكرنا عمن ذكرناها عنه بالصواب وأشبهها بظاهر التنزيل قول من قال: معنى قوله: { وما يتلى عليكم فى الكتب }: وما يتلى عليكم من آيات الفرائض في أول هذه السورة وآخرها. وإنما قلنا ذلك أولى بالصواب، لأن الصداق ليس مما كتب للنساء إلا بالنكاح، فما لم تنكح فلا صداق لها قبل أحد، وإذا لم يكن ذلك لها قبل أحد لم يكن مما كتب لها، وإذا لم يكن مما كتب لها، لم يكن لقول قائل عني بقوله: { وما يتلى عليكم فى الكتب }: الإقساط في صدقات يتامى النساء وجه، لأن الله قال في سياق الآية مبينا عن الفتيا التي وعدنا أن يفتيناها في يتامى النساء اللاتي لا تؤتونهن ما كتب لهن، فأخبر أن بعض الذي يفتينا فيه من أمر النساء أمر اليتيمة المحولة بينها وبين ما كتب الله لها، والصداق قبل عقد النكاح ليس مما كتب الله لها على أحد، فكان معلوما بذلك أن التي عنيت بهذه الآية هي التي قد حيل بينها وبين الذي كتب لها مما يتلى علينا في كتاب الله. فإذا كان ذلك كذلك، كان معلوما أن ذلك هو الميراث الذي يوجبه الله لهن في كتابه. فأما الذي ذكر عن محمد بن أبي موسى، فإنه مع خروجه من قول أهل التأويل، بعيد مما يدل عليه ظاهر التنزيل، وذلك أنه زعم أن الذي عنى الله بقوله: { وما يتلى عليكم فى الكتب } هو

وإن امرأة خفت من بعلها نشوزا أو إعراضا

[النساء: 128]، وإذا وجه الكلام إلى المعنى الذي تأوله صار الكلام مبتدأ من قوله: { فى يتمى النساء اللتى لا تؤتونهن ما كتب لهن } ترجمة بذلك عن قوله { فيهن } ويصير معنى الكلام: قل الله يفتيكم فيهن في يتامى النساء اللاتي لا تؤتونهن، ولا دلالة في الآية على ما قاله، ولا أثر عمن يعلم بقوله صحة ذلك. وإذا كان ذلك كذلك، كان وصل معاني الكلام بعضه ببعض أولى ما وجد إليه سبيل. فإذا كان الأمر على ما وصفنا، فقوله: { فى يتمى النساء } بأن يكون صلة لقوله: { وما يتلى عليكم } أولى من أن يكون ترجمة عن قوله: { قل الله يفتيكم فيهن } لقربه من قوله: { وما يتلى عليكم فى الكتب } ، وانقطاعه عن قوله: { يفتيكم فيهن }.

وإذ كان ذلك كذلك، فتأويل الآية: ويستفتونك في النساء، قل الله يفتيكم فيهن، وفيما يتلى عليكم في كتاب الله الذي أنزله على نبيه في أمر يتامى النساء اللاتي لا تعطونهن ما كتب لهن، يعني: ما فرض الله لهن من الميراث عمن ورثنه. كما: حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: { لا تؤتونهن ما كتب لهن } قال: لا تورثونهن. حدثني المثنى، قال: ثنا عمرو بن عون، قال: أخبرنا هشيم، عن مغيرة، عن إبراهيم، قوله: { لا تؤتونهن ما كتب لهن } قال: من الميراث، قال: كانوا لا يورثون النساء، وترغبون أن تنكحوهن. واختلف أهل التأويل في معنى قوله: { وترغبون أن تنكحوهن } فقال بعضهم: معنى ذلك: وترغبون عن نكاحهن. وقد مضى ذكر جماعة ممن قال ذلك، وسنذكر قول آخرين لم نذكرهم. حدثنا حميد بن مسعدة السامي، قال: ثنا بشر بن المفضل، قال: ثنا عبيد الله بن عون، عن الحسن: { وترغبون أن تنكحوهن } قال: ترغبون عنهن. حدثنا يعقوب وابن وكيع، قالا: ثنا ابن علية، عن ابن عون، عن الحسن، مثله. حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني يونس بن يزيد، عن ابن شهاب، عن عروة، قال: قالت عائشة في قوله الله: { وترغبون أن تنكحوهن }: رغبة أحدكم عن يتيمته التي تكون في حجره حين تكون قليلة المال والجمال، فنهوا أن ينكحوا من رغبوا في مالها وجمالها من يتامى النساء إلا بالقسط من أجل رغبتهم عنهن. حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله، يعني ابن صالح، قال: ثني الليث، قال: ثني يونس، عن ابن شهاب، قال: قال عروة، قالت عائشة، فذكر مثله. وقال آخرون: معنى ذلك: وترغبون في نكاحهن. وقد مضى ذكر جماعة ممن قال ذلك قبل، ونحن ذاكرو قول من لم نذكر منهم. حدثنا حميد بن مسعدة، قال: ثنا بشر بن المفضل، قال: ثنا ابن عون عن محمد، عن عبيدة: { وترغبون أن تنكحوهن } قال: وترغبون فيهن. حدثني يعقوب بن إبراهيم وابن وكيع، قالا: ثنا ابن علية، عن ابن عون، عن محمد، قال: قلت لعبيدة: { وترغبون أن تنكحوهن } قال: ترغبون فيهن. حدثني المثنى، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس في قوله: { فى يتمى النساء اللتى لا تؤتونهن ما كتب لهن وترغبون أن تنكحوهن } فكان الرجل في الجاهلية تكون عنده اليتيمة فيلقى عليها ثوبه، فإذا فعل بها ذلك لم يقدر أحد أن يتزوجها أبدا، فإن كانت جميلة وهويها تزوجها وأكل مالها، وإن كانت دميمة منعها الرجل أبدا حتى تموت فإذا ماتت ورثها، فحرم الله ذلك ونهى عنه. قال أبو جعفر: وأولى القولين بتأويل الآية قول من قال: معنى ذلك: وترغبون عن أن تنكحوهن، لأن حبسهم أموالهن عنهن، مع عضلهم إياهن إنما كان ليرثوا أموالهن دون زوج إن تزوجن.

ولو كان الذين حبسوا عنهن أموالهن إنما حبسوها عنهن رغبة في نكاحهن، لم يكن للحبس عنهن وجه معروف، لأنهم كانوا أولياءهن، ولم يكن يمنعهم من نكاحهن مانع فيكون به حاجة إلى حبس مالها عنها ليتخذ حبسها عنها سببا إلى إنكاحها نفسها منه. القول في تأويل قوله: { والمستضعفين من الولدن وأن تقوموا لليتمى بالقسط }. يعني بذلك جل ثناؤه: ويستفتونك في النساء، قل الله يفتيكم فيهن وفيما يتلى عليكم في الكتاب، وفي المستضعفين من الولدان، وفي أن تقوموا لليتامى بالقسط. وقد ذكرنا الرواية بذلك عمن قاله من الصحابة والتابعين فيما مضى، والذي أفتاهم في أمر المستضعفين من الولدان أن يؤتوهم حقوقهم من الميراث لأنهم كانوا لا يورثون الصغار من أولاد الميت، وأمرهم أن يقسطوا فيهم فيعدلوا ويعطوهم فرائضهم على ما قسم الله لهم في كتابه. كما: حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي، قوله: { والمستضعفين من الولدن } كانوا لا يورثون جارية ولا غلاما صغيرا، فأمرهم الله أن يقوموا لليتامى بالقسط. والقسط: أن يعطى كل ذي حق منهم حقه، ذكرا كان أو أنثى، الصغير منهم بمنزلة الكبير. حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: { ويستفتونك فى النساء قل الله يفتيكم فيهن وما يتلى عليكم فى الكتب فى يتمى النساء اللتى لا تؤتونهن ما } قال: لا تورثونهن مالا، { وأن تقوموا لليتمى بالقسط } قال: فدخل النساء والصغير والكبير في المواريث، ونسخت المواريث ذلك الأول. حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: { وأن تقوموا لليتمى بالقسط } أمروا لليتامى بالقسط: بالعدل. حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله. حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا عبيد الله، عن إسرائيل، عن السدي، عن أبي مالك: { والمستضعفين من الولدن وأن تقوموا لليتمى بالقسط } قال: كانوا لا يورثون إلا الأكبر فالأكبر. حدثني المثنى، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: { والمستضعفين من الولدن } فكانوا في الجاهلية لا يورثون الصغار ولا البنات، فذلك قوله: { لا تؤتونهن ما كتب لهن } فنهى الله عن ذلك، وبين لكل ذي سهم سهمه، فقال:

للذكر مثل حظ الأنثيين

صفحه نامشخص