جامع البيان في تفسير القرآن
جامع البيان في تفسير القرآن
[آل عمران: 105]. فتأويل الآية: يا أيها الذين صدقوا الله ورسوله وأقروا بما جاءهم به نبيهم صلى الله عليه وسلم من عند الله، إن تطيعوا جماعة ممن ينتحل الكتاب من أهل التوراة والإنجيل، فتقبلوا منهم ما يأمرونكم به، يضلوكم فيردوكم بعد تصديقكم رسول ربكم وبعد إقراركم بما جاء به من عند ربكم كافرين يقول: جاحدين لما قد آمنتم به وصدقتموه من الحق الذي جاءكم من عند ربكم. فنهاهم جل ثناؤه أن ينتصحوهم، ويقبلوا منهم رأيا أو مشورة، ويعلمهم تعالى ذكره أنهم لهم منطوون على غل وغش وحسد وبغض.
كما: حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: { يأيها الذين ءامنوا إن تطيعوا فريقا من الذين أوتوا الكتب يردوكم بعد إيمنكم كفرين }: قد تقدم الله إليكم فيهم كما تسمعون، وحذركم وأنبأكم يضلالتهم، فلا تأمنوهم على دينكم ولا تنصحوهم على أنفسكم، فإنهم الأعداء الحسدة الضلال. كيف تأتمنون قوما كفروا بكتابهم، وقتلوا رسلهم، وتحيروا في دينهم، وعجزوا عن أنفسهم؟ أولئك والله هم أهل التهمة والعداوة! حدثنا المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، مثله.
[3.101]
يعني بذلك جل ثناؤه: وكيف تكفرون أيها المؤمنون بعد إيمانكم بالله وبرسوله، فترتدوا على أعقابكم { وأنتم تتلى عليكم ءايت الله } يعني: حجج الله عليكم التي أنزلها في كتابه على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم. { وفيكم رسوله } حجة أخرى عليكم لله، مع آي كتابه، يدعوكم جميع ذلك إلى الحق، ويبصركم الهدى والرشاد، وينهاكم عن الغي والضلال يقول لهم تعالى ذكره: فما وجه عذركم عند ربكم في جحودكم نبوة نبيكم، وارتدادكم على أعقابكم، ورجوعكم إلى أمر جاهليتكم، إن أنتم راجعتم ذلك وكفرتم، وفيه هذه الحجج الواضحة، والآيات البينة، على خطأ فعلكم ذلك إن فعلتموه. كما: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد بن زريع، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: { وكيف تكفرون وأنتم تتلى عليكم ءايت الله }... الآية، علمان بينان: وجدان نبي الله صلى الله عليه وسلم، وكتاب الله فأما نبي الله فمضى صلى الله عليه وسلم وأما كتاب الله، فأبقاه الله بين أظهركم رحمة من الله ونعمة، فيه حلاله وحرامه، وطاعته ومعصيته. وأما قوله: { من يعتصم بالله فقد هدى إلى صرط مستقيم } فإنه يعني: ومن يتعلق بأسباب الله، ويتمسك بدينه وطاعته، { فقد هدى } يقول: فقد وفق لطريق واضح ومحجة مستقيمة غير معوجة، فيستقيم به إلى رضا الله وإلى النجاة من عذاب الله والفوز بجنته. كما: حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قوله: { ومن يعتصم بالله فقد هدى } قال: يؤمن بالله. وأصل العصم: المنع، فكل مانع شيئا فهو عاصمه، والممتنع به معتصم به، ومنه قول الفرزدق:
أنا ابن العاصمين بني تميم
إذا ما أعظم الحدثان نابا
ولذلك قيل للحبل: عصام، وللسبب الذي يتسبب به الرجل إلى حاجته: عصام، ومنه قول الأعشى:
إلى المرء قيس أطيل السرى
وآخذ من كل حي عصم
يعني بالعصم: الأسباب، أسباب الذمة والأمان، يقال منه: اعتصمت بحبل من فلان، واعتصمت حبلا منه، واعتصمت به واعتصمه. وأفصح اللغتين: إدخال الباء، كما قال عز وجل: { واعتصموا بحبل الله جميعا } وقد جاء «اعتصمته»، كما قال الشاعر:
صفحه نامشخص