711

جامع البيان في تفسير القرآن

جامع البيان في تفسير القرآن

" يا معشر المسلمين الله الله، أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم بعد إذ هداكم الله إلى الإسلام، وأكرمكم به، وقطع به عنكم أمر الجاهلية، واستنقذكم به من الكفر وألف به بينكم ترجعون إلى ما كنتم عليه كفارا "

فعرف القوم أنها نزعة من الشيطان، وكيد من عدوهم، فألقوا السلاح من أيديهم، وبكوا، وعانق الرجال من الأوس والخزرج بعضهم بعضا. ثم انصرفوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سامعين مطيعين، قد أطفأ الله عنهم كيد عدو الله شاس بن قيس وما صنع فأنزل الله في شاس بن قيس وما صنع { يأهل الكتب لم تكفرون بئايت الله والله شهيد على ما تعملون قل يأهل الكتب لم تصدون عن سبيل الله من ءامن تبغونها عوجا }... الآية وأنزل الله عز وجل في أوس بن قيظي وجبار بن صخر ومن كان معهما من قومهما الذين صنعوا ما صنعوا مما أدخل عليهم شاس بن قيس من أمر الجاهلية

يأيها الذين ءامنوا إن تطيعوا فريقا من الذين أوتوا الكتب يردوكم بعد إيمنكم كفرين

[آل عمران: 100] إلى قوله:

أولئك لهم عذاب عظيم

[آل عمران: 105]. وقيل: إنه عنى بقوله: { قل يأهل الكتب لم تصدون عن سبيل الله } جماعة يهود بني إسرائيل الذين كانوا بين أظهر مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم أيام نزلت هذه الآيات والنصارى، وأن صدهم عن سبيل الله كان بإخبارهم من سألهم عن أمر نبي الله محمد صلى الله عليه وسلم، هل يجدون ذكره في كتبهم أنهم لا يجدون نعته في كتبهم.

ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي: { قل يأهل الكتب لم تصدون عن سبيل الله من ءامن تبغونها عوجا } كانوا إذا سألهم أحد: هل تجدون محمدا؟ قالوا: لا! فصدوا عنه الناس، وبغوا محمدا عوجا: هلاكا. حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: { قل يأهل الكتب لم تصدون عن سبيل الله } يقول: لم تصدون عن الإسلام، وعن نبي الله ومن آمن بالله، وأنتم شهداء فيما تقرؤون من كتاب الله أن محمدا رسول الله، وأن الإسلام دين الله الذي لا يقبل غيره ولا يجزي إلا به، تجدونه مكتوبا عندكم في التوراة والإنجيل. حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، نحوه. حدثنا محمد بن سنان، قال: ثنا أبو بكر، قال: ثنا عباد، عن الحسن في قوله: { قل يأهل الكتب لم تصدون عن سبيل الله } قال: هم اليهود والنصارى، نهاهم أن يصدوا المسلمين عن سبيل الله، ويريدون أن يعدلوا الناس إلى الضلالة. فتأويل الآية ما قاله السدي: يا معشر اليهود لم تصدون عن محمد، وتمنعون من اتباعه المؤمنين بكتمانكم صفته التي تجدونها في كتبكم. ومحمد على هذا القول: هو السبيل { تبغونها عوجا }: تبغون محمدا هلاكا. وأما سائر الروايات غيره والأقوال في ذلك، فإنه نحو التأويل الذي بيناه قبل، من أن معنى السبيل التي ذكرها في هذا الموضع الإسلام وما جاء به محمد من الحق من عند الله.

[3.100]

اختلف أهل التأويل فيمن عنى بذلك، فقال بعضهم: عنى بقوله: { يأيها لذين ءامنوا } الأوس والخزرج، وبالذين أوتوا الكتاب: شاس بن قيس اليهودي، على ما قد ذكرنا قبل من خبره عن زيد بن أسلم. وقال آخرون: فيمن عني بالذين آمنوا، مثل قول زيد بن أسلم، غير أنهم قالوا: الذي جرى الكلام بينه وبين غيره من الأنصار حتى هموا بالقتال ووجدوا اليهودي به مغمزا فيهم ثعلبة بن عنمة الأنصاري. ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي { يأيها الذين ءامنوا إن تطيعوا فريقا من الذين أوتوا الكتب يردوكم بعد إيمنكم كفرين } قال: نزلت في ثعلبة بن عنمة الأنصاري، كان بينه وبين أناس من الأنصار كلام، فمشى بينهم يهودي من قينقاع، فحمل بعضهم على بعض حتى همت الطائفتان من الأوس والخزرج أن يحملوا السلاح فيقاتلوا، فأنزل الله عز وجل: { إن تطيعوا فريقا من الذين أوتوا الكتب يردوكم بعد إيمنكم كفرين } يقول: إن حملتم السلاح فاقتتلتم كفرتم. حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا جعفر بن سليمان، عن حميد الأعرج عن مجاهد في قوله: { يأيها الذين ءامنوا إن تطيعوا فريقا من الذين أوتوا الكتب } قال: كان جماع قبائل الأنصار بطنين الأوس والخزرج، وكان بينهما في الجاهلية حرب ودماء وشنآن، حتى من الله عليهم بالإسلام وبالنبي صلى الله عليه وسلم، فأطفأ الله الحرب التي كانت بينهم، وألف بينهم بالإسلام قال: فبينا رجل من الأوس ورجل من الخزرج قاعدان يتحدثان، ومعهما يهودي جالس، فلم يزل يذكرهما أيامهما والعداوة التي كانت بينهم، حتى استبا، ثم اقتتلا. قال: فنادى هذا قومه، وهذا قومه، فخرجوا بالسلاح ، وصف بعضهم لبعض. قال: ورسول الله صلى الله عليه وسلم شاهد يومئذ بالمدينة، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلم يزل يمشي بينهم إلى هؤلاء وإلى هؤلاء ليسكنهم، حتى رجعوا ووضعوا السلاح، فأنزل الله عز وجل القرآن في ذلك: { يأيها الذين ءامنوا إن تطيعوا فريقا من الذين أوتوا الكتب } إلى قوله:

عذاب عظيم

صفحه نامشخص