اشتقاق اسماء نطق بها القرآن

ابن عزیر سجستانی d. 330 AH
16

اشتقاق اسماء نطق بها القرآن

كتاب معرفة اشتقاق أسماء نطق بها القرآن وجاءت بها السنن والأخبار وتأويل ألفاظ مستعملة

ژانرها

... ونقول : إن الأعمال التي في شريعة الإسلام قد كان مثلها في اليهود والنصارى ، ولكن لم يكونوا يسمونها هذه الأسماء ؛ لأن شرائعهم لم تكن بلسان العرب ، فلما جاء الله بالإسلام ، وبين هذه الأشياء ، اقتدوا بأهل الإسلام ، وصاروا عيالا عليهم ، وقبلوا منه صلى الله عليه ، مع تكذيبهم إياه آيات محكمات / وكلمات بينات أتي بها في هذه الشريعة لم تعرفها الأمم ، فلما وردت 11 أعليهم قبلوها قبولا اضطرارا ، فأول ذلك كلمة الإخلاص ، وهي قول : لا إله إلا الله ، هذه كلمة جعلها مركز دين الإسلام وقطبه ، ولم تكن الأمم السالفة تقولها على هذا اللفظ بهذا الاختصار ، فلما قالها ، ودعا الناس إليها ، فاستعظمت العرب ذلك ؛ لأنهم كانوا يسمون أصنامهم آلهة ، فقال الله حكاية عنهم : [ إنهم كانوا إذا قيل لهم لا إله إلا الله يستكبرون ويقولون أئنا لتاركوا آلهتنا لشاعر مجنون بل جاء بالحق وصدق المرسلين ] (¬1) يعني جاءتها وهي الحق ، وإلى ذلك دعا المرسلون ، ولكن لم يؤدوها على هذا اللفظ ، بهذا الكمال والاختصار ، وقبلها أهل الكتاب من اليهود والنصارى ، ثم [ بسم الله الرحمن الرحيم ] (¬2) هي آية أنزلها الله على محمد عليه السلام ، وجعلها فاتحة الكتاب ، وفاتحة كل سورة ، فصار ذلك قدوة لجميع الأمم ، قد أقروا بفضلها ، وجعلوها مسطرة في صدر كتبهم ، ولم يكن ذلك لسائر الأمم ، ولا عرفوها إلا ما ذكره الله عن سليمان بن داود أنه كتب بها إلى بلقيس ، فلم يدونوها هذا التدوين ، ولا عرفوا لها الفضل المبين حتى جاء الله بالإسلام ، فقبلتها (¬3) الأمم أحسن قبول ، هذا إلى الكلمات غيرها ، مثل قوله : [ الحمد لله رب العالمين ] (¬4) وقد كان فيما تقدم من الكتب تحميد وتمجيد ، ولكن لم يكن على هذا الاختصار ، ومثل قول : لا حول ولا قوة إلا / بالله ، وحسبنا الله ونعم الوكيل 11 ب وتوكلت على الله ، وروى سفيان (¬1) عن أبي الزناد (¬2) عن سعيد بن جبير (¬3) ، قال : ما أعطي أحد إنا لله وإنا إليه راجعون إلا النبي عليه السلام ، ولو أوتيه أحد لأوتيه يعقوب ، حيث يقول : [يا أسفى على يوسف] (¬1) ، فهذه الكلمات كلها ظهرت في الإسلام ، على لسان محمد عليه السلام ، باللسان العربي ، ولم يكن لسائر الأمم هذا النظم العجيب ، والاختصار الحسن ، فلما وردت عليهم اضطروا إلى قبولها وتدوينها والإقرار بفضلها ، ولفظوا بها عند وجوب الشكر ، وطلب الصبر في وقت الاتكال والتسليم لأمر الله ، وعند فاتحة كلامهم ، وخاتمته ، وعند كل حادث نعمة ، ونازل ملمة ، وإن كان العلماء الماضون ، ومن درج من الصالحين قد عرفوا معانيها ، فإنهم لم يرسموها هذا الترسيم لأممهم ، على هذا الكلام والإحكام ، وادخرها الله لنبيه تفضيلا له وتشريفا لمنزلته 0

... وإنما حذفوا الألف من [ بسم الله الرحمن الرحيم ] (¬2) ، لأنها في صدر كل سورة ، وكثرت مع هذا على ألسنتهم ؛ فاستخفوا حذفها لأنها وقعت في موضع معروف ، لا يجهل القارئ معناه ؛ لأن من شأن العرب ألا تجاوز (¬3) الاختصار والحذف ، ألا ترى أنك تقول : بسم الله عند ابتداء كل فعل تأخذ فيه من مأكل أو مشرب أو ذبيحة ، فخف عليهم الحذف ، ولم يحذفوا الألف من قوله : [ فسبح باسم ربك العظيم ] (¬4) وأشباهها ، لأنها لم تكثر كثرة بسم الله ، وقال / قوم إنما 12أ حذفت الألف من بسم الله لأن الأصل كان سم ، تقول : هذا اسم الشيء ، وسم الشيء ، وأنشد : " من الرجز "

صفحه ۴۶